نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٧٨ - ٣٤ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي اسْتِنْفَارِ النَّاسِ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ
و لأقاتلنّهم مفتونين، و إنّى لصاحبهم بالأمس، كما أنا صاحبهم اليوم!
٣٤ - و من خطبة له عليه السّلام
فى استنفار الناس إلى أهل الشام
أفّ لكم، لقد سئمت عتابكم!! أ رضيتم بالحياة الدّنيا من الآخرة عوضا؟ و بالذّلّ من العزّ خلفا؟ إذا دعوتكم إلى جهاد عدوّكم دارت أعينكم كأنّكم من الموت فى غمرة [١]، و من الذّهول فى سكرة، يرتج عليكم حوارى فتعمهون [٢]. فكأنّ قلوبكم مألوسة [٣] فأنتم لا تعقلون، ما أنتم لى بثقة سجيس اللّيالى [٤] و ما أنتم بركن يمال بكم، و لا زوافر عزّ يفتقر إليكم [٥]
فيشغلها عن الحق، و يقوم حجابا مانعا للبصيرة عن الحقيقة، فكأنه شىء اشتمل على الحق فستره، و صار الحق فى طيه، و الكلام تمثيل لحال الباطل مع الحق، و حال الامام فى كشف الباطل و إظهار الحق
[١] دوران الأعين: اضطرابها من الجزع، و من غمره الموت يدور بصره، فانهم يريدون من غمرة الموت الشدة التى تنتهى إليه، يشير إلى قوله تعالى: «يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ اَلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ اَلْمَوْتِ»
[٢] الحوار - بالفتح و ربما كسر - هو مراجعة الكلام. و «يرتج» بمعنى يغلق، و تقول: رتج الباب - كضرب - أى: أغلقه، أى: لا تهتدون لفهمه، فتعمهون: مضارع عمه - كعلم و قطع - أى: تتحيرون و تترددون
[٣] المألوسة: المخلوطة بمس الجنون
[٤] سجيس - بفتح فكسر - كلمة تقال بمعنى أبدا، و سجيس: أصله من «سجس الماء» بمعنى تغير و كدر، و كان أصل الاستعمال ما دامت الليالى بظلامها، أى: ما دام الليل ليلا. و يقال: سجيس الأوجس - بفتح الجيم و ضمها - و «سجيس عجيس» مصغرا، كل ذلك بمعنى أبدا أى: أنهم ليسوا بثقاة عنده يركن إليهم أبدا
[٥] الزافرة من البناء: ركنه،