نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٧٠ - ٨٩ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
أقدامهم تخوم الأرض السّفلى، فهى كرايات بيض قد نفذت فى مخارق الهواء [١] و تحتها ريح هفّافة تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية، قد استفرغتهم أشغال عبادته [٢] و وصلت حقائق الإيمان بينهم و بين معرفته و قطعهم الإيقان به إلى الوله إليه [٣] و لم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره، قد ذاقوا حلاوة معرفته، و شربوا بالكأس الرّويّة من محبّته [٤] و تمكّنت من سويداء قلوبهم [٥] وشيجة خيفته [٦] فحنوا بطول الطّاعة اعتدال ظهورهم، و لم ينفذ طول الرّغبة إليه مادّة تضرّعهم [٧] و لا أطلق عنهم عظيم الزّلفة ربق خشوعهم [٨]، و لم يتولّهم الإعجاب فيستكثروا ما سلف منهم، و لا تركت لهم استكانة الإجلال [٩] نصيبا فى تعظيم حسناتهم، و لم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم، و لم تغض رغباتهم [١٠] فيخالفوا عن رجاء ربّهم، و لم
[١] مواضع ما خرقت أقدامهم
[٢] جعلتهم فارغين من الاشتغال بغيرها.
[٣] شدة الشوق إليه
[٤] الروية: التى تروى و تطفىء العطش
[٥] محل الروح الحيوانى من مضغة القلب
[٦] الوشيجة: أصلها عرق الشجرة، أراد منها هنا بواعث الخوف من اللّه
[٧] أى: إن شدة رجائهم لم تفن مادة خوفهم و تذللهم
[٨] جمع ربقة - بالكسر، و الفتح - و هى: العروة من عرى الريق - بكسر الراء - و هو: حبل فيه عدة عرى تربط فيه البهم
[٩] الاستكانة: ميل للسكون من شدة الخوف، ثم استعملت فى الخضوع
[١٠] دأب فى العمل: بالغ فى مداومته حتى أجهده