نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٠٨ - ٦٣ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
و يكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا، كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل [١]، و كلّ عزيز غيره ذليل، و كلّ قوىّ غيره ضعيف، و كلّ مالك غيره مملوك، و كلّ عالم غيره متعلّم، و كلّ قادر غيره يقدر و يعجز، و كلّ سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات، و يصمّه كبيرها، و يذهب عنه ما بعد منها [٢] و كلّ بصير غيره يعمى عن خفىّ الألوان و لطيف الأجسام، و كلّ ظاهر غيره باطن،
فكذلك أوصافه هى ثابتة له معا: لا يسبق منها وصف وصفا، و إن كان مفهومها قد يشعر بالتعاقب - إذا أضيفت إلى غيره - فهو أول و آخر أزلا و أبدا، أى: هو السابق بوجوده لكل موجود، و هو بذلك السبق باق لا يزول. و كل وجود سواه، فعلى أصل الزوال مبناه، ثم هو، فى ظهوره بأدلة وجوده، باطن بكنهه: لا تدركه العقول، و لا تحوم عليه الأوهام
[١] الواحد: أقل العدد، و من كان واحدا منفردا عن الشريك محروما من المعين كان محتقرا لضعفه، ساقطا لقلة أنصاره، أما الوحدة - فى جانب اللّه - فهى علو الذات عن التركيب المشعر بلزوم الانحلال، و تفردها بالعظمة و السلطان، و فناء كل ذات سواها إذا اعتبرت منقطعة النسبة إليها، فوصف غير اللّه بالوحدة تقليل، و الكمال فى عالمه أن يكون كثيرا، إلا اللّه: فوصفه بالوحدة تقديس و تنزيه. و بقية الأوصاف ظاهرة.
[٢] السامعون من الحيوان و الانسان: لقوى سمعهم حد محدود، فما خفى من الأصوات لا يصل إليها، فهى صماء عنه، فيصم - بفتح الصاد - مضارع «صم» - من باب علم - إذ أصيب بالصمم، و فقد السمع، و ما عظم من الأصوات حتى فات المألوف الذى يستطاع احتماله يحدث فيها الصمم بصدعه لها، فيصم - بكسر الصاد، و صم حرف المضارعة - مضارع «أصم» و ما بعد من الأصوات عن السامع - بحيث لا يصل موج الهواء المتكيف بالصوت إليه - ذهب عن تلك القوى فلا تناله. كل ذلك فى غيره سبحانه. أما هو - جل شأنه - فيستوى عنده الخفى و الشديد، و القريب و البعيد: لأن نسبة الأشياء إليه واحدة. و مثل ذلك يقال