نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٣٣ - ٤ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
(قوله «كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحم» يريد أنه إذا شدد عليها فى جذب الزمام و هى تنازعه رأسها خرم أنفها، و إن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها: يقال: أشنق الناقة، إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه، و شنقها أيضا، ذكر ذلك ابن السكيت فى إصلاح المنطق: و إنما قال: «أشنق لها» و لم يقل «أشنقها» لأنه جعله فى مقابلة قوله «أسلس لها» فكأنه عليه السلام قال: إن رفع لها رأسها بمعنى أمسكه عليها)
٤ - و من خطبة له عليه السّلام
بنا اهتديتم فى الظّلماء، و تسنّمتم العلياء [١]، و بنا انفجرتم عن السّرار.
وقر سمع لم يفقه الواعية [٢] و كيف يراعى النّبأة من أصمّته الصّيحة [٣]. ربط
[١] تسنمتم العلياء: ركبتم سنامها و ارتقيتم الى أعلاها، و السرار - كسحاب و كتاب - آخر ليلة من الشهر يختفى فيها القمر. و انفجرتم: دخلتم فى الفجر، و المراد كنتم فى ظلام حالك، و هو ظلام الشرك و الضلال، فصرتم إلى ضياء ساطع بهدايتنا و ارشادنا، و الضمير لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم، و الامام ابن عمه و نصيره فى دعوته، و يروى «أفجرتم» بدل «انفجرتم» و هو أفصح و أوضح، لأن انفعل لا يأتى لغير المطاوعة إلا نادرا، أما أفعل فيأتى لصيرورة الشىء إلى حال لم يكن عليها، كقولهم: أجرب الرجل: إذا صارت إبله جربى، و أمثاله كثير.
[٢] الواعية: الصاخة و الصارخة و الصراخ نفسه، و المراد هنا العبر و المواعظ الشديدة الأثر، و وقرت أذنه فهى موقورة، و وقرت كسمعت: صمت، دعاء بالصمم على من لم يفهم الزواجر و العبر
[٣] الصيحة هنا: الصوت الشديد، و النبأة: أراد منها الصوت الخفى، أى: من أصمته الصيحة فلم يسمعها كيف يمكن أن يسمع النبأة فيراعيها، و يشير بالصيحة إلى زواجر كتاب اللّه و مقال رسوله. و بالنبأة إلى ما يكون منه رضى اللّه عنه. و قد رأينا هذا أقرب مما أشرنا إليه فى الطبعة السابقة
(٣ - ن - ج - ١)