نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٥٤ - ٢١ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
رسل السّماء إلاّ البشر [١]
٢١ - و من خطبة له عليه السّلام
فإنّ الغاية أمامكم [٢] و إنّ وراءكم السّاعة تحدوكم، تخفّفوا تلحقوا [٣] فإنّما تنتظر بأوّلكم آخركم [٤] قال الشريف أقول: إن هذا الكلام لو وزن، بعد كلام اللّه سبحانه و بعد كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، بكل كلام لمال به راجحا، و برّز عليه سابقا. فأما قوله عليه السّلام «تخففوا تلحقوا» فما سمع كلام أقل منه مسموعا و لا أكثر محصولا و ما أبعد غورها من كلمة، و أنقع نطفتها من حكمة [٥]، و قد نبهنا فى كتاب الخصائص على عظم قدرها و شرف جوهرها
[١] رسل السماء: الملائكة، أى: إن قلتم لم يأتنا عن اللّه شىء فقد أقيمت عليكم الحجة بتبليغ رسول اللّه و إرشاد خليفته.
[٢] الغاية: الثواب أو العقاب، و النعيم و الشقاء. فعليكم أن تعدوا للغاية ما يصل بكم إليها، و لا تستبطئوها فان الساعة التى تصيبونها فيها - و هى يوم القيامة - آزفة إليكم فكأنها - فى تقربها نحوكم و تقليل المسافة بينها و بينكم - بمنزلة سائق يسوقكم إلى ما تسيرون إليه
[٣] سبق سابقون بأعمالهم إلى الحسنى، فمن أراد اللحاق بهم فعليه أن يتخفف من أثقال الشهوات و أوزار العناء فى تحصيل اللذات، و يحفز بنفسه عن هذه الفانيات فيلحق بالذين فازوا بعقبى الدار. و أصله الرجل يسعى و هو غير مثقل بما يحمله يكون أجدر أن يلحق الذين سبقوه
[٤] أى: أن الساعة لا ريب فيها، و إنما ينتظر بالأول مدة لا يبعث فيها حتى يرد الآخرون و ينقضى دور الانسان من هذه الدنيا و لا يبقى على وجه الأرض أحد فتكون الساعة بعد هذا، و ذلك يوم يبعثون
[٥] من قولهم ماء ناقع و نقيع أى ناجع، أى إطفاء العطش. و النطفة: الماء الصافى