نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٤٠ - ٨١ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَجِيبَةٍ
و خصيما [١] أوصيكم بتقوى اللّه الّذى أعذر بما أنذر، و احتجّ بما نهج [٢] و حذّركم عدوّا نفذ فى الصّدور خفيّا، و نفث فى الآذان نجيّا [٣] فأضلّ و أردى و وعد فمنّى، و زيّن سيّئات الجرائم، و هوّن موبقات العظائم، حتّى إذا استدرج قرينته [٤]، و استغلق رهينته، أنكر ما زيّن [٥]، و استعظم ما هوّن و حذّر ما أمّن.
و منها فى صفة خلق الانسان:
أم هذا الّذى أنشأه فى ظلمات الأرحام [٦] و شغف الأستار، نطفة دهاقا [٧]
[١] الكتاب: القرآن، و «حجيجا و خصيما» أى: مقنعا لمن خالفه بأنه قد جلب الهلاك على نفسه، و قد يراد من الكتاب ما أحصى من الأعمال على العامل إذا عرض عليه يوم الحساب.
[٢] أعذر بما أنذر، «ما» مصدرية، أعذر: أى سلب عذر المعتذر بانذاره إياه بعواقب العمل، و قامت له الحجة على الضالين بما نهج و وضح من طرق الخير و الفضيلة
[٣] ذلك العدو هو الشيطان، و «نفذ فى الصدور - الخ»: تمثيل لدقة مجارى وسوسته فى الأنفس، فهو فيما يسوله يجرى مجرى الأنفاس، و يسلك بما يأتى من مسالك الأصدقاء كأنه نجى يسارك، و ينفث فى أذنك بما تظنه خيرا لك، و أردى أهلك، و «وعد فمنى» أى: صور الأمانى كذبا
[٤] القرينة: النفس التى يقارنها بالوسوسة، و استدرجها: أنزلها من درجة الرشد إلى درجته من الضلالة، و استغلق الرهن: جعله بحيث لا يمكن تخليصه
[٥] «أنكر - الخ» بيان لعمل الشيطان و براءته ممن أغواه عند ما تحق كلمة العذاب
[٦] «أم» بمعنى بل الانتقالية، بعد ما بين وصف الشيطان انتقل لبيان صفة الانسان. و «شغف الأستار»: جمع شغاف - مثل سحاب و سحب - و هو فى الأصل غلاف القلب، استعاره للمشيمة
[٧] دهاقا: متتابعا «دهقها» أى: صبها بقوة. و قد تفسر الدهاق بالممتلئة، أى: ممتلئة من جراثيم الحياة، و «علقة محافا» أى: خفى فيها و محق كل شكل و صورته، و الجنين: الولد بعد تصويره ما دام فى بطن أمه، و اليافع: الغلام راهق العشرين، و أصل اليافع المرتفع، و يقال: أيفع فهو يافع، و هذا من النوادر، و مثله أمحلت الأرض فهى ماحل، و يقصر: يكف عن الرذائل ممتنعا عنها بالعقل و الروية