نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٦٦ - ٢٨ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
معرفة و اللّه جرّت ندما، و أعقبت سدما [١] قاتلكم اللّه!! لقد ملأتم قلبى قيحا، و شحنتم صدرى غيظا، و جرّعتمونى نغب التّهمام أنفاسا [٢] و أفسدتم علىّ رأيى بالعصيان و الخذلان، حتّى قالت قريش: إنّ ابن أبى طالب رجل شجاع، و لكن لا علم له بالحرب.
للّه أبوهم!! و هل أحد منهم أشدّ لها مراسا، و أقدم فيها مقاما منّى [٣]؟! لقد نهضت فيها و ما بلغت العشرين، و ها أنا ذا قد ذرّفت على السّتّين [٤]، و لكن لا رأى لمن لا يطاع!!
٢٨ - و من خطبة له عليه السّلام
أمّا بعد، فإنّ الدّنيا قد أدبرت، و آذنت بوداع، [٥] و إنّ الآخرة قد
للعروس، و ربات الحجال: النساء
[١] السدم - محركة - الهم مع أسف أو غيظ و فعله كفرح، و القيح: ما فى القرحة من الصديد، و فعله كباع، و شحنتم صدرى: ملأتموه
[٢] النغب: جمع نغبة كجرعة و جرع لفظا و معنى، و التهمام - بالفتح - الهم، و كل تفعال فهو بالفتح، إلا التبيان و التلقاء فانهما بالكسر. و أنفاسا: أى جرعة بعد جرعة
[٣] مراسا: مصدر مارسه ممارسة و مراسا، أى: عالجه، و زاوله و عاناه
[٤] ذرفت على الستين: زدت عليها، و روى المبرد «نيفت» و هو بمعناه و فى الخطبة روايات أخرى لا تختلف عن رواية الشريف فى المعنى، و إن اختلفت عنها فى بعض الألفاظ، انظر الكامل للمبرد
[٥] آذنت: أعلمت، و إيذانها بالوداع إنما هو بما أودع فى طبيعتها من التقلب و التحول، فأول نظرة من العاقل إليها تحصل له اليقين بفنائها و انقضائها، و ليس وراء الدنيا إلا الآخرة، فان كانت الأولى مودعة فالأخرى مشرفة، و الاطلاع: من «اطلع فلان علينا» أتانا فجأة.