نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٤٧ - ٨٤ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
مقيمها، و لا يهرم خالدها، و لا يبأس ساكنها [١]
٨٤ - و من خطبة له عليه السّلام
قد علم السّرائر، و خبر الضّمائر، له الإحاطة بكلّ شىء، و الغلبة لكلّ شىء، و القوّة على كلّ شىء. فليعمل العامل منكم فى أيّام مهله. قبل إرهاق أجله [٢]، و فى فراغه قبل أوان شغله، و فى متنفّسه قبل أن يؤخذ بكظمه [٣] و ليمهّد لنفسه و قدومه، و ليتزوّد من دار ظعنه لدار إقامته، فاللّه اللّه، أيّها النّاس، فيما استحفظكم من كتابه، و استودعكم من حقوقه، فإنّ اللّه، سبحانه لم يخلقكم عبثا، و لم يترككم سدى، و لم يدعكم فى جهالة و لا عمى: قد سمّى
[١] بئس - كسمع - اشتدت حاجته.
[٢] المهل - بفتحتين - المهلة و التؤدة، و الارهاق: مصدر «أرهق الرجل» تقول: «أرهقه قرنه فى الحرب» إذا غشيه ليقتله، و معنى «إرهاق الأجل»: أن يعجل المفرط عن تدارك ما فاته من العمل، أى: يحول بينه و بينه و الكلام من اول قوله «فليعمل العامل» إلى قوله «لدار إقامته» مأخوذ من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فى خطبته المشهورة، و هى «أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، و إن لكم غاية فانتهوا إلى غايتكم، إن المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدرى ما اللّه صانع به، و أجل قد بقى لا يدرى ما اللّه قاض فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، و من دنياه لآخرته، و من الشبيبة قبل الهرم، و من الحياة قبل الموت، فو الذى نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، و ما بعد الدنيا من دار، إلا الجنة أو النار»
[٣] «فى متنفسه» أى: فى سعة وقته، يقال: «أنت فى متنفس من أمرك» أى: فى سعة. و الكظم - بالتحريك - الحلق، أو مخرج النفس، و الأخذ بالكظم: كناية عن التضييق عند مداركة الأجل