نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٩٥ - ٥٠ - وَمِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
به: لم يطلع العقول على تحديد صفته، و لم يحجبها عن واجب معرفته، فهو الّذى تشهد له أعلام الوجود، على إقرار قلب ذى الجحود [١] تعالى اللّه عمّا يقول المشبّهون به، و الجاحدون له - علوّا كبيرا.
٥٠ - و من كلام له عليه السّلام
إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع، و أحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اللّه، و يتولّى عليها رجال رجالا [٢] على غير دين اللّه، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحقّ لم يخف على المرتادين، و لو أنّ الحقّ خلص من الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين [٣] و لكن يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث [٤] فيخرجان! فهنالك يستولى الشّيطان على أوليائه، و ينجو الّذين سبقت لهم من اللّه الحسنى.
و عنايته، فلا شىء إلا و هو منه، فأى شىء يبعد عنه؟
[١] إن قلب الجاحد إن انكره فما إنكاره إلا افتعال مما عرض عليه من أثر الفواعل الخارجة عن فطرته و ظهور أعلام الوجود فى الدلالة عليه لا يقوى على مدافعة تأثيره قلب الجاحد، فلا مناص له من الاقرار فى الواقع، و إن ظهر الجحود فى كلامه و بعض أعماله.
[٢] يستعين عليها رجال برجال
[٣] المرتادين: الطالبين للحقيقة، أى: لو كان الحق خالصا من ممازجة الباطل و مشابهته لكان ظاهرا لا يخفى على من طلبه
[٤] الضغث - بالكسر - قبضة من حشيش مختلط فيها الرطب باليابس، يريد أنه إن أخذ الحق من وجه لم يعدم شبيها له من الباطل يلتبس به، و إن نظر إلى الباطل لاح كأن عليه صورة الحق فاشتبه به، فذلك ضغث الحق، و هذا ضغث الباطل و مصادر الأهواء التى ينشأ عنها وقوع الفتن إنما هى من الالتباس الواقع بين الحق و الباطل