نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٥٤ - ٨٦ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
منها: حتّى يظنّ الظّانّ أنّ الدّنيا معقولة على بنى أميّة [١] تمنحهم درّها و توردهم صفوها، و لا يرفع عن هذه الأمّة سوطها، و لا سيفها، و كذب الظّانّ لذلك: بل هى مجّة من لذيذ العيش [٢] يتطعّمونها برهة، ثمّ يلفظونها جملة
٨٦ - و من خطبة له عليه السّلام
أمّا بعد، فإنّ اللّه لم يقصم جبّارى دهر قطّ [٣] إلاّ بعد تميّل و رخاء، و لم يجبر عظم أحد من الأمم إلاّ بعد أزل و بلاء، و فى [٤] دون ما استقبلتم من عتب، و ما استدبرتم من خطب، معتبر! و ما [٥] كلّ ذى قلب بلبيب، و لا كلّ ذى سمع بسميع، و لا كلّ ناظر ببصير، فيا عجبى - و ما لى لا أعجب - من خطإ
[١] مقصورة عليهم، مسخرة لهم، كأنهم شدوها بعقال كالناقة «تمنحهم درها» أى: لبنها
[٢] مجة - بضم الميم - واحدة المج - بضمها أيضا - و هى نقط العسل أى: قطرة عسل تكون فى أفواههم كما تكون فى فم النحلة يذوقونها زمانا ثم يقذفونها و هذا التفسير أفضل من تفسير المجة - بالفتح - بالواحدة من مصدر «مج الشراب من فيه» إذا رمى به
[٣] يقصم: يهلك، و حد القصم الكسر
[٤] جبر العظم طبه بعد الكسر حتى يعود صحيحا، و الأزل - بالفتح - الشدة
[٥] العتب - بسكون التاء - يريد منه عتب الزمان، مصدر «عتب عليه» إذا وجد عليه، و إذا وجد الزمان على شخص اشتد عليه و قهره، و الأصح أنه بتحريك التاء: إما مفرد بمعنى الأمر الكريه و الفساد، أو جمع عتبة - بالتحريك - بمعنى الشدة. يقال: «ما فى هذا الأمر رتبة و لا عتبة» أى: شدة. أى: إنكم لجديرون أن تعتبروا بأقل من الشدة المقبلة عليكم بعد ضعف أمركم و أقل من الخطب العظيم الذى مر بكم، فكيف بمثل هذه الأمور الجسام، فأنتم أجدر أن تعتبروا بها؟؟