نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٠٧ - ٦٣ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
فتزوّدوا فى الدّنيا، من الدّنيا، ما تحرزون به أنفسكم غدا [١] فاتّقى عبد ربّه نصح نفسه، و قدّم توبته، و غلب شهوته [٢] فإنّ أجله مستور عنه، و أمله خادع له، و الشّيطان موكّل به: يزيّن له المعصية ليركبها و يمنّيه التّوبة ليسوّفها [٣] حتّى تهجم منيّته عليه أغفل ما يكون عنها [٤] فيا لها حسرة على ذى غفلة أن يكون عمره عليه حجّة [٥]، و أن تؤدّيه أيّامه إلى شقوة، نسأل اللّه سبحانه أن يجعلنا و إيّاكم ممّن لا تبطره نعمة، [٦] و لا تقصّر به عن طاعة ربّه غاية، و لا تحلّ به بعد الموت ندامة و لا كآبة.
٦٣ - و من خطبة له عليه السّلام
الحمد للّه الّذى لم يسبق له حال حالا [٧] فيكون أوّلا قبل أن يكون آخرا،
[١] «ما تحرزون به أنفسكم» أى: تحفظونها به، و ذلك هو تقوى اللّه فى السر و النجوى، و طاعة الشرع، و عصيان الهوى
[٢] قوله «فاتقى عبد ربه» و ما بعده: أوامر بصيغة الماضى، و يجوز أن يكون بيانا للتزود المأمور به فى قوله «فتزودوا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم» أو بيانا لما يحرزون به أنفسهم
[٣] «يسوفها» أى: يؤجلها، و يؤخرها.
[٤] قوله «أغفل ما يكون» حال من الضمير فى «عليه». و المنية: الموت، أى: لا يزال الشيطان يزين له المعصية و يمنيه بالتوبة أن تكون فى مستقبل العمر ليسوفها حتى يفاجئه الموت و هو فى أشد الغفلة عنه
[٥] يكون عمره حجة عليه لأنه أوتى فيه المهلة، و مكن فيه من العمل، فلم ينشط له
[٦] لا تبطره النعمة: لا تطغيه، و لا تسدل على بصيرته حجاب الغفلة عما هو صائر إليه
[٧] ما للّه من وصف فهو كذاته يجب بوجوبها، فكما أن ذاته - سبحانه - لا يدنو منها التغير و التبدل،