نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٣٤ - ٨١ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَجِيبَةٍ
الجياد [١] و رويّة الارتياد، و أناة المقتبس المرتاد [٢] فى مدّة الأجل، و مضطرب المهل، فيا لها أمثالا صائبة، و مواعظ شافية، لو صادفت قلوبا زاكية، و أسماعا واعية، و آراء عازمة، و ألبابا حازمة، فاتّقوا تقيّة من سمع فخشع، و اقترف فاعترف [٣] و وجل فعمل، و حاذر فبادر، و أيقن فأحسن و عبّر فاعتبر، و حذّر فازدجر، و أجاب فأناب [٤]، و رجع فتاب، و اقتدى فاحتذى، و أرى فرأى، فأسرع طالبا، و نجا هاربا، فأفاد ذخيرة [٥]، و أطاب
[١] خلوا: تركوا فى مجال يتسابقون فيه إلى الخيرات. و الجياد من الخيل: كرامها، و المضمار: المكان الذى تضمر فيه الخيل، و المدة التى تضمر فيها أيضا، و الروية: إعمال الفكر فى الأمر ليأتى على أسلم وجوهه، و الارتياد هنا: طلب ما يراد
[٢] الاناة: الانتظار و التؤدة، و المقتبس: المرتاد، أى: الذى أخذ بيده مصباحا ليرتاد على ضوئه شيئا غاب عنه، و مثل هذا يتأنى فى حركته خوف أن يطفأ مصباحه، و خشية أن يفوته فى بعض خطواته ما يفتش عليه لو أسرع، فلذا ضرب المثل به. و المضطرب: مدة الاضطراب. أى: الحركة فى العمل
[٣] اقترف: اكتسب، و مثله «قرف يقرف لعياله» أى: كسب يكسب و فى التنزيل: (وَ لِيَقْتَرِفُوا مٰا هُمْ مُقْتَرِفُونَ) و قال صاحب اللسان: و اقترف المال اقتناه. و اقترف الذنب أتاه. و وجل: خاف، وجلا و موجلا - بفتح الميم و الجيم - و بادر سارع، و عبر - مبنى للمجهول مشدد الباء - أى: عرضت عليه العبر مرارا كثيرة فاعتبر، أى: اتعظ، و حذر - مبنى للمجهول أيضا - أى: خوف من عواقب الخطايا فازدجر، أى: امتنع عنها. و يروى «و حذر فحذر، و زجر فازدجر»
[٤] أجاب داعى اللّه إلى طاعته فأناب إليه، أى: رجع، و «احتذى» شاكل بين عمله و عمل مقتداه، أى: أحسن القدوة، و «أرى» - بضم الهمزة مبنى للمجهول أى: أرته الشريعة ما يجب عليه و ما يجب له و ما يعقب الطاعة و ما يعقب المعصية، فرأى ذلك رؤية صحيحة تب عليها حسن العمل
[٥] أفاد الذخيرة: استفادها و اقتناها، و هو من الاضداد