نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٣٦ - ٨١ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَجِيبَةٍ
عمرها، بأبدان قائمة بأرفاقها [١] و قلوب رائدة لأرزاقها، فى مجلّلات نعمه [٢] و موجبات مننه، و حواجز عافية، و قدّر لكم أعمارا سترها عنكم، و خلّف لكم عبرا من آثار الماضين قبلكم، من مستمتع خلاقهم، و مستفسح خناقهم أرهقتهم المنايا دون الآمال، و شذّ بهم عنها تخرّم الآجال، لم يمهدوا فى سلامة الأبدان، و لم يعتبروا فى أنف الأوان [٣]، فهل ينتظر أهل بضاضة الشّباب إلاّ حوانى الهرم؟ و أهل غضارة الصّحّة إلاّ نوازل السّقم؟ و أهل مدّة البقاء إلاّ آونة الفناء [٤] مع قرب الزّيال [٥] و أزوف الانتقال، و علز القلق، و ألم المضض، و غصص الحرض، و تلفّت الاستغاثة بنصرة الحفدة و الأقرباء
[١] الأرفاق جمع رفق - بالكسر -: المنفعة، أو ما يستعان به عليها، و «رائدة» أى: طالبة
[٢] مجللات - على صيغة اسم الفاعل - من «جلله» بمعنى غطاه، أى: غامرات نعمه، يقولون: سحاب مجلل، أى: يطبق الأرض
[٣] الخلاق: النصيب الوافر من الخير، و الخناق - بالفتح -: حبل يخنق به، و بالضم: داء يمتنع معه نفوذ النفس. و أرهقتهم: أعجلتهم، و أنف - بضمتين - يقال: أمر أنف، أى: مستأنف لم يسبق به قدر. و الأنف أيضا: المشية الحسنة، و تقدير الكلام: خلف لكم عبرا من القرون الماضية: منها تمتعهم بنصيبهم من الدنيا ثم فناؤهم، و منها فسحة خناقهم و طول إمهالهم ثم كانت عاقبتهم الهلكة
[٤] البضاضة: رخص الجلد و رقته و امتلاؤه. و الغضارة: النعمة و السعة و الخصب
[٥] الزيال: مصدر زايله مزايلة و زيالا، أى: فارقه