نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٣٨ - ٨١ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَجِيبَةٍ
و الأقرباء؟ تحتذون أمثلتهم، و تركبون قدّتهم [١] و تطأون جادّتهم؟! فالقلوب قاسية عن حظّها، لاهية عن رشدها، سالكة فى غير مضمارها! كأنّ المعنىّ سواها [٢] و كأنّ الرّشد فى إحراز دنياها. و اعلموا أنّ مجازكم على الصّراط و مزالق دحضه، و أهاويل زلله و تارات أهواله [٣] فاتّقوا اللّه تقيّة ذى لبّ شغل التّفكّر قلبه، و أنصب الخوف بدنه [٤]، و أسهر التّهجّد غرار نومه، و أظمأ الرّجاء هواجر يومه، و ظلف الزّهد شهواته، و أرجف الذّكر بلسانه و قدّم الخوف لإبّانه، و تنكّب المخالج عن وضح السّبيل، و سلك أقصد المسالك إلى النّهج المطلوب، و لم تفتله فاتلات الغرور [٥] و لم تعم عليه
[١] القدة - بكسر فتشديد - الطريقة، و «تطأون جادتهم» تسيرون على سبيلهم بلا انحراف عنهم فى شىء، أى: يصيبكم ما أصابهم بلا أقل تفاوت
[٢] «كأن المعنى» أى: المقصود بالتكاليف الشرعية، و الموجه إليه التحذير و التبشير، غيرها. و قوله «و كأن الرشد - الخ» أى: مع أن الرشد لم ينحصر فى هذا، بل الرشد كل الرشد إحراز الآخرة لا الدنيا
[٣] «أن مجازكم - الخ» أنكم تجوزون على الصراط مع ما فيه من مزالق الدحض، و الدحض: هو انقلاب الرجل بغتة فيسقط المار، و الزلل. هو انزلاق القدم، و التارات: النوب و الدفعات
[٤] «أنصب الخوف بدنه»: أتعبه
[٥] و الغرار - بالكسر -: القليل من النوم و غيره، و «أسهره التهجد» أى: أزال قيام الليل نومه القليل، فأذهبه بالمرة. و «أظمأ الرجاء - الخ» أى: أظمأ نفسه فى هاجرة اليوم، و المعنى: صام رجاء الثواب. و «ظلف الزهد - الخ» أى: منعها و ظلف: منع، و «أرجف الذكر» تقول: «أرجف به» أى: حركه. و يروى «أوجف» بالواو - أى: أسرع، كأن الذكر لشدة تحريكه اللسان موجف به كما توجف الناقة براكبها، و «إبان الشىء» بكسر فتشديد - وقته الذى يلزم ظهوره فيه أى: إنه خاف فى الوقت الذى ينفع فيه الخوف، و يروى «لأمانه» أى: خاف فى الدنيا ليأمن فى الآخرة، و «تنكب الشىء» مال عنه، و المخالج: الشعوب من الطريق المائلة عن وضحه، و الوضح - محركة - الجادة، و «عن وضح متعلق» بالمخالج، أى: تنكب المائلات عن الجادة، و أقصد المسالك: أقومها. و «لم تفتله الخ» أى: لم ترده و لم تصرفه، و «لم تعم عليه» أى: لم تخف عليه الأمور المشتبهة حتى يقع فيها بحذر على غير بصيرة