نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٥٠ - ١٨ - وَمِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَمِّ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي الْفُتْيَا
لاملىء و اللّه بإصدار ما ورد عليه، و لا هو أهل لما فوّض إليه [١] لا يحسب العلم فى شىء ممّا أنكره، و لا يرى أنّ من وراء ما بلغ مذهبا لغيره، و إن أظلم أمر اكتتم به [٢] لما يعلم من جهل نفسه، تصرخ من جور قضائه الدّماء، و تعجّ منه المواريث [٣] إلى اللّه أشكو من معشر يعيشون جهّالا [٤] و يموتون ضلاّلا ليس فيهم سلعة أبور من الكتاب إذا تلى حقّ تلاوته [٥] و لا سلعة أنفق بيعا و لا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرّف عن مواضعه، و لا عندهم أنكر من المعروف، و لا أعرف من المنكر.
١٨ - و من كلام له عليه السّلام
فى ذم اختلاف العلماء فى الفتيا
ترد على أحدهم القضيّة فى حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثمّ ترد
[١] الملىء بالقضاء: من يحسنه و يجيد القيام عليه، و هذا لا ملىء باصدار القضايا التى ترد عليه و إرجاعها عنه مفصولا فيها النزاع، مقطوعا فيها الحكم. أى: غير قيم بذلك، و لا غناء فيه لهذا الأمر الذى تصدر له. و روى ابن قتيبة بعد قوله لا ملىء و اللّه باصدار ما ورد عليه (و لا أهل لما قرظ به) أى: مدح به - بدل و لا هو أهل لما فوض إليه
[٢] اكتتم به: أى كتمه و ستره
[٣] العج: رفع الصوت. و صراخ الدماء و عج المواريث تمثيل لحدة الظلم و شدة الجور
[٤] إلى اللّه متعلق بأشكو، و فى رواية إسقاط لفظ أشكو فيكون إلى اللّه متعلقا بتعج. و قوله من معشر: يشير إلى أولئك الذين قمشوا جهلا
[٥] تلى حق تلاوته: أخذ على وجهه و ما يدل عليه فى جملته و فهم كما كان النبى و أصحابه صلّى اللّه عليه و سلّم يفهمونه. و أبور من بارت السلعة: كسدت. و أنفق من النفاق - بالفتح - و هو الرواج. و ما أشبه حال هذا المعشر بالمعاشر من أهل هذا الزمان