نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٧٧ - ٨٩ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
فلمّا مهد أرضه [١]، و أنفذ أمره، اختار آدم، عليه السّلام، خيرة من خلقه [٢] و جعله أوّل جبلّته [٣] و أسكنه جنّته، و أرغد فيها أكله و أوعز إليه فيما نهاه عنه، و أعلمه أنّ فى الاقدام عليه التّعرّض لمعصيته، و المخاطرة بمنزلته فأقدم على ما نهاه عنه - موافاة لسابق علمه - فأهبطه بعد التّوبة، ليعمر أرضه بنسله، و ليقيم الحجّة به على عباده، و لم يخلهم بعد أن قبضه، ممّا يؤكّد عليهم حجّة ربوبيّته، و يصل بينهم و بين معرفته، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه و متحمّلى ودائع رسالاته، قرنا، فقرنا، حتّى تمّت بنبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم - حجّته، و بلغ المقطع عذره و نذره [٤]، و قدّر الأرزاق فكثّرها و قلّلها و قسّمها على الضّيق و السّعة فعدل فيها ليبتلى من أراد بميسورها و معسورها، و ليختبر بذلك الشّكر و الصّبر من غنيّها و فقيرها، ثمّ قرن بسعتها عقابيل فاقتها [٥] و بسلامتها طوارق آفاتها، و بفرج أفراحها [٦]
[١] مهد أرضه: سواها و أصلحها، و منه المهاد، و هو الفراش، و تقول: مهدت الفراش - من باب قطع - أى: بسطته و سويته
[٢] يجوز فى خيرة أن تكون بكسر الخاء و فتح الياء - بوزان عنبة - و هو الاسم من قولك: اختار اللّه محمّدا، و يجوز أن تكون بكسر الخاء و الياء ساكنة
[٣] خلقته
[٤] المقطع: النهاية التى ليس وراءها غاية
[٥] العقابيل: الشدائد. جمع عقبولة - بضم العين - و أصل العقابيل قروح صغار تخرج بالشفة من آثار المرض، و الفاقة: الفقر
[٦] الفرج: جمع فرجة، و هى التفصى من الهم (١٢ - ن - ج - ١)