نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٣ - خطبة جامع الكتاب الشريف الرضي
استعان كل واعظ بليغ. و مع ذلك فقد سبق و قصّروا، و تقدم و تأخروا، و لأن كلامه عليه السلام الكلام الذى عليه مسحة من العلم الإلهى [١] و فيه عبقة من الكلام النبوى، فأجبتهم إلى الابتداء بذلك عالما بما فيه من عظيم النفع، و منشور الذكر، و مذخور الأجر. و اعتمدت به أن أبين من عظيم قدر أمير المؤمنين عليه السلام فى هذه الفضيلة، مضافة إلى المحاسن الدّثرة، و الفضائل الجمة [٢]. و أنه، عليه السلام، انفرد ببلوغ غايتها عن جميع السلف الأولين الذين إنما يؤثر عنهم منها القليل النادر، و الشاذ الشارد [٣]. و أما كلامه فهو من البحر الذى لا يساجل [٤] و الجم الذى لا يحافل [٥] و أردت أن يسوغ لى التمثل فى الافتخار به عليه السلام، بقول الفرزدق: -
أولئك آبائى فجئنى بمثلهمإذا جمعتنا، يا جرير، المجامع
و رأيت كلامه عليه السلام يدور على أقطاب ثلاثة: أولها: الخطب و الأوامر، و ثانيها: الكتب و الرسائل، و ثالثها: الحكم و المواعظ، فأجمعت بتوفيق اللّه تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب، [٦] ثم محاسن الكتب، ثم محاسن الحكم و الأدب. مفردا لكل صنف من ذلك بابا، و مفصّلا فيه
[١] عليه مسحة من جمال مثلا، أى: شىء منه. و كأنه يريد بهاء منه و ضياء، و العبقة: الرائحة.
[٢] اعتمدت: قصدت، و الدثرة بفتح فسكون: الكثيرة
[٣] يؤثر: أى ينقل عنهم و يحكى.
[٤] لا يغالب فى الامتلاء و كثرة الماء.
[٥] لا يغالب فى الكثرة، من قولهم: ضرع حافل، أى: ممتلىء كثير اللبن.
[٦] أجمع عليه: عزم، و المحاسن: جمع حسن على غير قياس.