نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٦٦ - ٨٩ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
خلقه، حزونة معراجها [١]، ناداها بعد إذ هى دخان فالتحمت عرى أشراجها و فتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها [٢]. و أقام رصدا من الشّهب الثّواقب على نقابها [٣] و أمسكها من أن تمور فى خرق الهواء بأيده [٤]، و أمرها أن تقف مستسلمة لأمره، و جعل شمسها آية مبصرة لنهارها [٥] و قمرها آية ممحوّة
[١] الهابطين و الصاعدين: الأرواح العلوية و السفلية، و الحزونة: الصعوبة، و قوله «ناداها - الخ»: رجوع إلى بيان بعض ما كانت عليه قبل النظم، يقول: كانت السموات هباء مائرا أشبه بالدخان منظرا، و بالبخار مادة، فتجلى من اللّه فيها سر التكوين فالتحمت عرى أشراجها، و الأشراج: جمع شرج بالتحريك -: و هو العروة، و هى مقبض الكوز و الدلو و غيرهما، و تقول «أشرجت العيبة» أى: أقفلت أشراجها، و تسمى مجرة السماء شرجا، تشبيها بشرج العيبة، و أشراج الوادى ما انفسح منه، على التشبيه، و أشار باضافة العرى للاشراج إلى أن كل جزء من مادتها عروة للآخر يجذبه إليه ليتماسك به، فكل ماسك و كل ممسوك: فكل عروة، و له عروة.
[٢] بعد أن كانت جسما واحدا فتق اللّه رتقه، و فصلها إلى أجرام بينها فرج و أبواب، و أفرغ ما بينها بعد ما كانت صوامت، أى: لا فراغ فيها
[٣] النقاب: جمع نقب، و هو الخرق، «و الشهب الثواقب» أى: الشديدة الضياء و الرصد: القوم يرصدون كالحرس. و كون الرصد من الشهب فى أصل تكوين الخلقة كما قال الامام: دليل على ما أثبته العلم من أن الشهب مغذيات لبعض أجرام الكواكب بما نظمه لها من التفاتق، فما نقب و خرق من جرم عوض بالشهاب، و ذلك أمر آخر غير ما جاء فى الكتاب العزيز فما جاء فى الكتاب بمعنى آخر.
[٤] «و أمسكها من أن تمور» أى: تضطرب فى الهواء «بأيده» أى: بقوته: «و أمرها أن تقف» أى: تلزم مراكزها لا تفارق مداراتها، لا بمعنى أن تسكن.
[٥] «مبصرة» أى: جعل شمس هذه الأجرام السماوية مضيئة يبصر بضوئها مدة النهار كله دائما