نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٨١ - ٣٥ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ التَّحْكِيمِ
أمّا بعد، فإنّ معصية النّاصح الشّفيق العالم المجرّب تورث الحيرة، و تعقب النّدامة. و قد كنت أمرتكم فى هذه الحكومة أمرى و نخلت لكم مخزون رأيى [١] لو كان يطاع لقصير أمر [٢] فأبيتم علىّ إباء المخالفين الجناة، و المنابذين العصاة، حتّى ارتاب النّاصح بنصحه [٣] و ضنّ الزّند بقدحه،
[١] الحكومة: حكومة الحكمين: عمرو بن العاص، و أبى موسى الأشعرى و ذلك بعد ما وقف القتال بين على أمير المؤمنين و معاوية بن أبى سفيان فى حرب صفين سنة سبع و ثلاثين من الهجرة، فان جيش معاوية لما رأى أن الدبرة تكون عليه رفعوا المصاحف على الرماح يطلبون رد الحكم إلى كتاب اللّه، و كانت الحرب أكلت من الفريقين، فانخدع القراء و جماعة تتبعوهم من جيش على، و قالوا: دعينا إلى كتاب اللّه و نحن أحق بالاجابة إليه، فقال لهم أمير المؤمنين: إنها كلمة حق يراد بها باطل إنهم ما رفعوها ليرجعوا إلى حكمها، إنهم يعرفونها و لا يعملون بها، و لكنها الخديعة و الوهن و المكيدة! أعيرونى سواعدكم و جماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعه و لم يبق إلا أن يقطع دابر الذين ظلموا، فخالفوا و اختلفوا، فوضعت الحرب أوزارها و تكلم الناس فى الصلح و تحكيم حكمين يحكمان بما فى كتاب اللّه، فاختار معاوية عمرو ابن العاص، و اختار بعض أصحاب أمير المؤمنين أبا موسى الأشعرى، فلم يرض أمير المؤمنين و اختار عبد اللّه بن عباس فلم يرضوا، ثم اختار الأشتر النخعى فلم يطيعوا، فوافقهم على أبى موسى مكرها بعد أن أعذر فى النصيحة لهم فلم يذعنوا، فقد نخل لهم، أى أخلص رأيه فى الحكومة أولا و آخرا. ثم انتهى أمر التحكيم بانخداع أبى موسى لعمرو بن العاص و خلعه أمير المؤمنين و معاوية ثم صعود عمرو بعده و إثباته معاوية و خلعه أمير المؤمنين. و أعقب ذلك ضعف أمير المؤمنين و أصحابه.
[٢] هو مولى جذيمة المعروف بالأبرش، و كان حاذقا و كان قد أشار على سيده جذيمة أن لا يأمن للزباء ملكة الجزيرة فخالفه و قصدها إجابة لدعوتها إلى زواجه فقتلته فقال قصير: «لا يطاع لقصير أمر» فذهبت مثلا
[٣] يريد بالناصح نفسه، أى: أنهم أجمعوا على مخالفته حتى شك فى نصيحته
(٦ - ن - ج – ١)