نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٠٥ - ٦٢ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
و ما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه و أقاموا فيه، فإنّها عند ذوى العقول كفىء الظّلّ [١]: بينا تراه سابغا حتّى قلص [٢]، و زائدا حتّى نقص.
٦٢ - و من خطبة له عليه السّلام
و اتّقوا اللّه عباد اللّه، و بادروا آجالكم بأعمالكم [٣]، و ابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم [٤] و ترحّلوا فقد جدّ بكم [٥]، و استعدّوا للموت فقد أظلّكم [٦] و كونوا قوما صيح بهم فانتبهوا [٧] و علموا أنّ الدّنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا
[١] إضافة «الفىء» إلى «الظل» إضافة الخاص للعام، لأن الفىء لا يكون إلا بعد الزوال، أما الظل فعام فى كل وقت، و قيل: الظل بالغداة، و الفىء بالعشى، و قيل: كل موضع تكون فيه الشمس ثم تزول عنه فهو ظل.
[٢] سابغا: ممتدا ساترا للأرض، و قلص: انقبض، و حتى هنا لمجرد الغاية بلا تدريج، أى: إن غاية سبوغه الانقباض، و غاية زيادته النقص
[٣] «بادروا الآجال بالأعمال» أى: سابقوها و عاجلوها بها، أى: استكملوا اعمالكم قبل حلول آجالكم
[٤] ابتاعوا: اشتروا ما يبقى من النعيم الأبدى، بما يفنى من لذة الحياة الدنيا و شهواتها المنقضية
[٥] «الترحل» الانتقال، و المراد منه هنا لازمه، و هو: إعداد الزاد الذى لا بد منه للراحل و الزاد فى الانتقال عن الدنيا ليس إلا زاد التقوى و قوله «فقد جد بكم» أى: فقد حثثتم و أزعجتم إلى الرحيل، أو فقد أسرع بكم مسترحلكم و أنتم لا تشعرون
[٦] الاستعداد للموت: إعداد العدة له، أو طلب العدة للقائه، و لا عدة له إلا الأعمال الصالحة. و قوله «فقد أظلكم» أى: قرب منكم حتى كأن له ظلا قد ألقاه عليكم
[٧] أى: كونوا قوما حذرين إذا استامتهم الغفلة وقتا ما، ثم صاح بهم صائح الموعظة، انتبهوا من نومهم، و هبوا لمطلب نجاتهم و قوله «و علموا - الخ» أى: عرفوا الدنيا، و أنها ليست بدار بقاء و قرار، فاستبدلوها