نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٠٦ - ٦٢ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
فإنّ اللّه سبحانه لم يخلقكم عبثا، و لم يترككم سدى [١]، و ما بين أحدكم و بين الجنّة أو النّار إلاّ الموت أن ينزل به [٢] و إنّ غاية تنقصها اللّحظة و تهدمها السّاعة لجديرة بقصر المدّة [٣] و إنّ غائبا يحدوه الجديدان اللّيل و النّهار لحرىّ بسرعة الأوبة [٤] و إنّ قادما يقدم بالفوز و الشّقوة لمستحقّ لأفضل العدّة،
بدار الآخرة، و هى الدار التى ينتقل إليها
[١] تعالى اللّه أن يفعل شيئا عبثا و قد خلق الانسان، و آتاه قوة العقل التى تصغر عندها كل لذة دنيوية، و لا تقف رغائبها عند حد منها مهما علت رتبته، فكأنها مفطورة على استصغار كل ما تلاقيه فى هذه الحياة و طلب غاية أعلى مما يمكن أن ينال فيها، فهذا الباعث الفطرى لم يوجده اللّه تعالى عبثا، بل هو الدليل الوجدانى المرشد إلى ما وراء هذه الحياة، و «سدى» أى: مهملين بلا راع يزجركم عما يضركم و يسوقكم إلى ما ينفعكم و أصل السدى - بضم السين، و تفتح - الابل المهملة بلا راع، و يقال بلفظ واحد للمفرد و المثنى و الجمع و المذكر و المؤنث، و رعاتنا الأنبياء عليهم الصلاة و السّلام و خلفاؤهم
[٢] «أن ينزل به» فى محل رفع بدل من الموت، أى: ليس بين الواحد منا و بين الجنة إلا نزول الموت به إن كان قد أعد للجنة عدتها، و لا بينه و بين النار إلا نزول الموت به إن كان قد عمل بعمل أهلها، فما بعد هذه الحياة إلا الحياة الأخرى، و هى إما شقاء و إما نعيم
[٣] تلك الغاية هى الأجل. و «تنقصها» أى: تنقص أمد الانتهاء إليها، و كل لحظة تمر فهى نقص فى الأمد بيننا و بين الأجل، و الساعة تهدم ركنا من ذلك الأمد، و ما كان كذلك فهو جدير بقصر المدة.
[٤] ذلك الغائب هو الموت. و يحدوه: يسوقه، و الجديدان: الليل و النهار، لأن الأجل المقسوم لك إن كان بعد ألف سنة فالليل و النهار بكرورهما عليك يسوقان إليك ذلك المنتظر على رأس الألف، و ما أسرع مرهما، و الانتهاء إلى الغاية، و ما أسرع أوبة ذلك الغائب الذى يسوقانه إليك - أى: رجوعه - و الموت هو ذلك القادم إما بفوز و إما بشقوة، و عدته الأعمال الصالحة، و الملكات الفاضلة