نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٩ - ١ - فمن خطبة له عليه السّلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء و الأرض، و خلق آدم و فيها ذكر الحج
كريما ميلاده. و أهل الأرض يومئذ ملل متفرّقة، و أهواء منتشرة و طوائف متشتّتة، بين مشبّه للّه بخلقه أو ملحد فى اسمه، أو مشير إلى غيره [١]، فهداهم به من الضّلالة، و أنقذهم بمكانه من الجهالة. ثمّ اختار سبحانه لمحمّد صلّى اللّه عليه و سلّم لقاءه، و رضى له ما عنده، و أكرمه عن دار الدّنيا، و رغب به عن مقارنة البلوى، فقبضه إليه كريما صلّى اللّه عليه و آله و خلّف فيكم ما خلّفت الأنبياء فى أممها - إذ لم يتركوهم هملا: بغير طريق واضح، و لا علم قائم [٢] كتاب ربّكم فيكم: مبيّنا حلاله و حرامه [٣] و فرائضه و فضائله، و ناسخه
[١] الملحد فى اسم اللّه: الذى يميل به عن حقيقة مسماه، فيعتقد فى اللّه صفات يجب تنزيهه عنها، و المشير إلى غيره: الذى يشرك معه فى التصرف إلها آخر فيعبده و يستعينه
[٢] العلم - بفتحتين - ما يوضع ليهتدى به، أى: أن الأنبياء لم يهملوا أممهم مما يرشدهم بعد موت أنبيائهم، و قد كان من محمد صلى اللّه عليه و سلم مثل ما كان منهم، فانه خلف فى أمته كتاب اللّه تعالى حاويا لجميع ما يحتاجون إليه فى دينهم.
[٣] حلاله كالأكل من الطيبات، و حرامه كأكل أموال الناس بالباطل، و فرائضه كالزكاة أخت الصلاة، و فضائله كنوافل الصدقات التى يعظم الأجر فيها و لا حرج على من لا يؤديها، و ناسخه: ما جاء قاضيا بمحو ما كان عليه الضالون من العقائد، أو إزالة السابق من الأحكام لحكمة إلهية اقتضت تغييره و إن خفيت على بعض العقول كقوله تعالى: (قُلْ لاٰ أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ) الآية، و منسوخه ما كان حكاية عن تلك الأحكام كقوله: (وَ عَلَى اَلَّذِينَ هٰادُوا حَرَّمْنٰا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) الآية، و رخصه كقوله: (فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ) و عزائمه كقوله: (وَ لاٰ تَأْكُلُوا مِمّٰا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اَللّٰهِ عَلَيْهِ) و خاصه كقوله: (وَ اِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهٰا) الآية، و كقوله (يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مٰا أَحَلَّ اَللّٰهُ لَكَ) و عامه،