نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٤٥ - ١٦ - وَمِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا بُويِعَ بِالْمَدِينَةِ
قال الشريف: أقول: إنّ فى هذا الكلام الأدنى من مواقع الإحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان، و إنّ حظّ العجب منه أكثر من حظّ العجب به، و فيه - مع الحال الّتي وصفنا - زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان، و لا يطّلع فجّها إنسان [١]، و لا يعرف ما أقول إلاّ من ضرب فى هذه الصّناعة بحقّ، و جرى فيها على عرق [٢] (وَ مٰا يَعْقِلُهٰا إِلاَّ اَلْعٰالِمُونَ)
و من هذه الخطبة
شغل من الجنّة و النّار أمامه [٣] ساع سريع نجا [٤]، و طالب بطىء رجا،
[١] «لا يطلع» من قولهم: اطلع الأرض، أى: بلغها، و الفج: الطريق الواسع بين جبلين فى قبل من أحدهما
[٢] العرق: الأصل، أى: سلك فى العمل بصناعة الفصاحة و الصدور عن ملكتها على أصولها و قواعدها
[٣] «شغل» مبنى للمجهول نائب فاعله من، و الجنة و النار مبتدأ خبره أمامه، و الجملة صلة من، أى: كفى شاغلا أن تكون الجنة و النار أمامك و من كانت أمامه الجنة و النار - على ما وصف اللّه سبحانه - فحرى به أن تنفد أوقاته جميعها فى الاعداد للجنة و الابتعاد عما عساه يؤدى إلى النار.
[٤] يقسم الناس الى ثلاثة أقسام: الأول: الساعى إلى ما عند اللّه السريع فى سعيه، و هو الواقف عند حدود الشريعة لا يشغله فرضها عن نفلها، و لا شاقها عن سهلها. و الثانى: الطالب البطىء له قلب تعمره الخشية، و له ميل إلى الطاعة، لكن ربما قعد به عن السابقين ميل إلى الراحة فيكتفى من العمل بفرضه، و ربما انتظر به غير وقته، و ينال من الرخص حظه، و ربما كانت له هفوات، و لشهوته نزوات على أنه رجاع إلى ربه، كثير الندم على ذنبه، فذلك الذى خلط عملا صالحا و آخر سيئا فهو يرجو أن يغفر له. و القسم الثالث: المقصر، و هو الذى حفظ الرسم و نسى الاسم، و قال بلسانه إنه مؤمن، و ربما شارك الناس فيما يأتون من أعمال ظاهرة كصوم و صلاة و ما شابههما، و ظن أن ذلك كل ما يطلب منه، ثم لا تورده شهوته