نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٤٦ - ١٦ - وَمِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا بُويِعَ بِالْمَدِينَةِ
و مقصّر فى النّار هوى، اليمين و الشّمال مضلّة، و الطّريق الوسطى هى الجادّة [١] عليها باقى الكتاب و آثار النّبوّة، و منها منفذ السّنّة، و إليها مصير العاقبة، هلك من ادّعى، و خاب من افترى من أبدى صفحته للحقّ هلك [٢] و كفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره، لا يهلك على التّقوى سنخ أصل [٣]، و لا يظمأ عليها
منهلا إلا عب منه، و لا يميل به هواه إلى أمر إلا انتهى إليه، فذلك عبد الهوى، و جدير به أن يكون فى النار هوى
[١] اليمين و الشمال مثال لما زاع عن جادة الشريعة و الطريق الوسطى مثال للشريعة القويمة، ثم أخذ يبين أن الجادة و الطريق الوسطى هى سبيل النجاة، جاء الكتاب هاديا إليها، و السنة لا تنفذ إلا منها، فمن خالف الكتاب و نبذ السنة ثم ادعى أنه على الجادة فقد كذب، و لهذا يقول: خاب من ادعى، أى: من ادعى دعوة و كذب فيها و لم يكن عنده مما يدعيه إلاّ مجرد الدعوى فقد هلك لأنه مائل عن الجادة
[٢] الرواية الصحيحة هكذا: من أبدى صفحته للحق هلك، أى: من كاشف الحق مخاصما له مصارحا له بالعداوة هلك. و يروى من أبدى صفحته للحق هلك عند جهلة الناس. و على هذه الرواية يكون المعنى: من ظاهر الحق و نصره غلبته الجهلة بكثرتهم - و هم أعوان الباطل - فهلك
[٣] السنخ المثبت، يقال: ثبتت السن فى سنخها، أى: منبتها. و الأصل لكل شىء: قاعدته و ما قام عليه بقيته، فأصل الجبل مثلا أسفله الذى يقوم عليه أعلاه و أصل النبات جذره الذاهب فى منبته، و هلاك النسخ فساده حتى لا تثبت فيه أصول ما اتصل به، و لا ينمو غرس غرس فيه. و كل عمل ذهبت أصوله فى أسناخ التقوى كان جديرا بأن تثبت أصوله و تنمو فروعه و يزكو بزكاء منبته و مغرس أصله، و هو التقوى، و كما أن التقوى سنخ لأصول الأعمال كذلك منها تستمد الأعمال غذاءها و تستقى ماءها من الأخلاص، و جدير بزرع يسقى بماء التقوى أن لا يظمأ و «عليها» فى الموضعين: فى معنى معها. و قد يقال فى قوله سنخ أصل: إنه هو على نحو قول القائل: إذا خاض عينيه كرى النوم. و الكرى هو النوى، و السنخ هو الأصل. و الأليق بكلام الامام ما قدمناه