نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٤٤ - ١٦ - وَمِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا بُويِعَ بِالْمَدِينَةِ
و لقد نبّئت بهذا المقام و هذا اليوم، ألا و إنّ الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها و خلعت لجمها فتقحّمت بهم فى النّار [١] ألا و إنّ التّقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها و أعطوا أزمّتها، فأوردتهم الجنّة، حقّ و باطل، و لكلّ أهل [٢] فلئن أمر الباطل لقديما فعل، و لئن قلّ الحقّ فلربّما و لعلّ، و لقلّما أدبر شىء فأقبل [٣]
[١] الشمس - بضمتين و بضم فسكون - جمع شموس و هى من «شمس» كنصر أى منع ظهره أن يركب، و فاعل الخطيئة إنما يقترفها لغاية زينت له يطلب الوصول إليها، فهو شبيه براكب فرس يجرى به إلى غايته، لكن الخطايا ليست إلى الغايات بمطايا، فانها اعتساف عن السبيل و اختباط فى السير، لهذا شبهها بالخيل الشمس التى قد خلعت لجمها، لأن من لم يلجم نفسه بلجام الشريعة أفلتت منه إلى حيث ترديه و تتقحم به فى النار. و تشبيه التقوى بالمطايا الذلل ظاهر، فان التقوى تحفظ النفس من كل ما ينكها عن صراط الشريعة، فصاحبها على الجادة لا يزال عليها حتى يوافى الغاية. و الذلل: جمع ذلول، و هى المروضة الطائعة السلسة القياد.
[٢] أى: أن ما يمكن أن يكون عليه الانسان ينحصر فى أمرين: الحق، و الباطل، و لا يخلو العلم منهما. و لكل من الأمرين أهل: فللحق أقوام، و للباطل أقوام، و لئن أمر الباطل - أى: كثر بكثرة أعوانه - فلقد كان منه قديما لأن البصائر الزائغة عن الحقيقة أكثر من الثابتة عليها. و لئن كان الحق قليلا بقلة أنصاره فلربما غلبت قلته كثرة الباطل، و لعله يقهر الباطل و يمحقه
[٣] هذه الكلمة صادرة من ضجر نفسه يستبعد بها أن تعود دولة لقوم بعد ما زالت عنهم. و من هذا المعنى قول الشاعر: -
و قالوا يعود الماء فى النهر بعد ما ذوى نبت جنبيه و جف المشارع
فقلت: إلى أن يرجع النهر جاريا و يوشب جنباه تموت الضفادع