نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٤٨ - ٨٤ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
آثاركم [١] و علّم أعمالكم، و كتب آجالكم، و أنزل عليكم الكتاب تبيانا لكلّ شىء، و عمّر فيكم نبيّه أزمانا [٢] حتّى أكمل له و لكم - فيما أنزل من كتابه - دينه الّذى رضى لنفسه، و أنهى إليكم، على لسانه، محابّه من الأعمال و مكارهه [٣] و نواهيه و أوامره، فألقى إليكم المعذرة، و اتّخذ عليكم الحجّة، و قدّم إليكم بالوعيد، و أنذركم بين يدى عذاب شديد، فاستدركوا بقيّة أيّامكم، و اصبروا لها أنفسكم [٤]، فإنّها قليل فى كثير الأيّام الّتى تكون منكم فيها الغفلة و التّشاغل عن الموعظة، و لا ترخّصوا لأنفسكم فتذهب بكم الرّخص فيها مذاهب الظّلمة [٥] و لا تداهنوا فيهجم بكم [٦] الإدهان على المصيبة.
[١] بين لكم أعمالكم و حددها
[٢] عمر نبيه: مد فى أجله
[٣] محابه: مواضع حبه، و هى الأعمال الصالحة
[٤] «اصبروا أنفسكم» اجعلوا لأنفسكم صبرا فيها، و هو مأخوذ من قوله تعالى: (وَ اِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ اَلْعَشِيِّ) و يقال: «صبر فلان نفسه على كذا» أى: حبسها عليه، يتعدى فينصب بنفسه
[٥] الظلمة: جمع ظالم، و قد نهى عن الأخذ برخص المذاهب لأنه لا يجوز للواحد من العامة أن يقلد كلا من ائمة الهدى فيما خف و سهل من الأحكام الشرعية. و قد يكون مراده: لا تساهلوا أنفسكم فى ترك تشديد المعصية، و لا تسامحوها و ترخصوا لها فى ارتكاب الصغائر و المحقرات من الذنوب فتهجم بكم على الكبائر، لأن من مرن على أمر تدرج من صغيرة إلى كبيرة، فتسوء العاقبة، و تقعوا فيما وقع فيه الظلمة من قبلكم
[٦] المداهنة: النفاق، و المصانعة: إظهار خلاف ما فى الطوية، و الادهان: مثله و قال اللّه تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)