نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٤ - ٢ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ صِفِّينَ ١
جيران [١]. نومهم سهاد، و كحلهم دموع، بأرض عالمها ملجم، و جاهلها مكرّم.
و منها يعنى آل النبى عليه الصلاة و السلام:
موضع سرّه، و لجأ أمره [٢]، و عيبة علمه [٣]، و موئل حكمه، و كهوف كتبه، و جبال دينه: بهم أقام انحناء ظهره، و أذهب ارتعاد فرائصه [٤]
و منها يعنى قوما آخرين:
زرعوا الفجور، و سقوه الغرور، و حصدوا الثّبور [٥]، لا يقاس بآل
[١] خير دار: هى مكة المكرمة، و شر الجيران: عبدة الأوثان من قريش. و قوله «نومهم سهاد الخ» كما تقول فلان جوده بخل و أمنه مخافة، فهم فى أحداث أبدلتهم النوم بالسهر و الكحل بالدمع. و العالم ملجم لأنه لو قال حقا و الجمهور على الباطل لا نتاشوه و نهشوه، و الجاهل مكرم لأنه على شاكلة العامة مشايع لهم فى أهوائهم: فمنزلته عندهم منزلة أوهامهم و عاداتهم، و هى فى المقام الأعلى من نفوسهم، و هذه الأوصاف كلها لتصوير حال الناس فى الجاهلية قبل بعثة النبى صلى اللّه عليه و سلم
[٢] اللجأ - محركة -: الملاذ و ما تلتجىء إليه كالوزر - محركة - ما تعتصم به
[٣] العيبة - بالفتح -: الوعاء. و الموئل: المرجع أى: أن حكمه و شرعه يرجع اليهم و هم حفاظ كتبه - يحوونها كما تحوى الكهوف و الغيران ما يكون فيها. و الكتب القرآن، و جمعه لأنه فيما حواه كجملة ما تقدمه من الكتب، و يزيد عليها ما خص اللّه به هذه الأمة
[٤] كنى بانحناء الظهر عن الضعف، و باقامته عن القوة. و بهم آمنه من الخوف الذى ترتعد منه الفرائص
[٥] جعل ما فعلوا من القبائح كزرع زرعوه، و ما سكنت إليه نفوسهم من الامهال و اغترارهم بذلك بمنزلة السقى، فان الغرور يبعث على مداومة القبيح و الزيادة فيه، ثم كانت عاقبة أمرهم