نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٦٢ - ٨٩ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
إذ جبهت معترفة بأنّه لا ينال بحور الاعتساف كنه معرفته [١] و لا تخطر ببال أولى الرّويّات خاطرة من تقدير جلال عزّته [٢] الّذى ابتدع الخلق على غير مثال امتثله [٣] و لا مقدار احتذى عليه، من خالق معهود كان قبله، و أرانا من ملكوت قدرته، و عجائب ما نطقت به آثار حكمته، و اعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك [٤] قوّته، ما دلّنا باضطرار قيام الحجّة له على معرفته، و ظهرت فى البدائع الّتى أحدثها آثار صنعته و أعلام حكمته، فصار كلّ ما خلق حجّة له و دليلا عليه، و إن كان خلقا صامتا فحجّته بالتّدبير ناطقة، و دلالته على المبدع قائمة. و أشهد أنّ من شبّهك بتباين أعضاء خلقك، و تلاحم
[١] الجور: العدول عن الطريق، و الاعتساف: سلوك غير جادة. و سلوك العقول فى أى طريق طلبا لاكتناه ذاته، و للوقوف على ما لم يكلف الوقوف عليه من كيفية صفاته، يعد جورا أو عدولا عن الجادة، فان العقول الحادثة ليس فى طبيعتها ما يؤهلها للاحاطة بالحقائق الأزلية، اللهم إلا ما دلت عليه الآثار، و ذلك هو الوصف الذى جاء فى الكتاب و السنة، و «كنه معرفته» نائب فاعل «ينال»
[٢] الرويات: جمع روية، و هى الفكر
[٣] ابتدع الخلق: أوجده من العدم المحض على غير مثال سابق «امتثله» أى: حاذاه و «لا مقدار سابق احتذى عليه» أى: قاس و طبق عليه، و كان ذلك المثال أو المقدار من خالق معروف سبقه بالخلقة، أى: لم يقتد بخالق آخر فى شىء من الخلقة، إذ لا خالق سواه
[٤] المساك - كسحاب، و يكسر - ما به يمسك الشىء كالملاك ما به يملك (إِنَّ اَللّٰهَ يُمْسِكُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ أَنْ تَزُولاٰ) و قد جعل الحاجة الظاهرة من المخلوقات إلى إقامة وجودها بما يمسكها من قوته بمنزلة الناطق بذلك المعترف به، و قوله «باضطرار» متعلق بدلنا، و «على معرفته» متعلق به أيضا، أى: دلنا على معرفته بسبب أن قيام الحجة اضطرنا لذلك، و «ما دلنا» مفعول لأرانا، و «ظهرت فى البدائع الخ» معطوف على «أرانا»