نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٦٧ - ٢٨ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
أشرفت باطّلاع، ألا و إنّ اليوم المضمار [١] و غدا السّباق، و السّبقة الجنّة [٢] و الغاية النّار، أ فلا تائب من خطيئته قبل منيّته؟ أ لا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه [٣]؟ ألا و إنّكم فى أيّام أمل [٤] من ورائه أجل، فمن عمل فى أيّام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله، و لم يضرره أجله، و من قصّر فى أيّام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله و ضرّه أجله، ألا فاعملوا فى الرّغبة كما تعملون فى الرّهبة [٥]، ألا و إنّى لم أر كالجنّة نام طالبها، و لا كالنّار نام هاربها [٦]،
[١] المضمار: الموضع و الزمن الذى تضمر فيه الخيل، و تضمير الخيل أن تربط و يكثر علفها و ماؤها حتى تسمن، ثم يقال علفها و ماؤها و تجرى فى الميدان حتى تهزل. و قد يطلق التضمير على العمل الأول أو الثانى، و إطلاقه على الأول لأنه مقدمة للثانى، و إلا فحقيقة التضمير: إحداث الضمور، و هو الهزال و خفة اللحم، و إنما يفعل ذلك بالخيل لتخف فى الجرى يوم السباق، كما أننا نعمل اليوم فى الدنيا للحصول على السعادة فى الأخرى
[٢] السبقة - بالتحريك - الغاية التى يجب على السابق أن يصل إليها و بالفتح المرة من السبق. و الشريف رواها فى كلام الامام بالتحريك أو الفتح و فسرها بالغاية المحبوبة، أو المرة من السبق. و هو مطلوب لهذا، و روى الضم بصيغة رواية أخرى. و من معانى السبقة - بالتحريك - الرهن الذى يوضع من المتراهنين فى السباق، أى: الجعل الذى يأخذه السابق. إلا أن الشريف فسرها بما تقدم
[٣] البؤس بالضم: اشتداد الحاجة، و سوء الحالة، و يوم البؤس: يوم الجزاء مع الفقر من الأعمال الصالحة، و العامل له هو الذى يعمل الصالح لينجو من البؤس فى ذلك اليوم
[٤] يريد الأمل فى البقاء و استمرار الحياة.
[٥] الرهبة - بالفتح - هى مصدر رهب الرجل - من باب علم - رهبا، بالفتح و بالتحريك و رهبانا - بالتحريك و بالضم - و معناه: خاف، أى: اعملوا للّه فى السراء كما تعملون له فى الضراء لا تصرفكم النعم عن خشيته و الخوف منه
[٦] من أعجب العجائب الذى لم ير له مثيل أن ينام طالب الجنة فى عظمها