نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢١١ - ١٠٧ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
و جعلت فيها مأدبة [١]: مشربا، و مطعما، و أزواجا، و خدما، و قصورا، و أنهارا، و زروعا، و ثمارا، ثمّ أرسلت داعيا يدعو إليها، فلا الدّاعى أجابوا، و لا فيما رغبت إليه رغبوا، و لا إلى ما شوّقت إليه اشتاقوا أقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها، و اصطلحوا على حبّها، و من عشق شيئا أعشى بصره [٢] و أمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، و يسمع بأذن غير سميعة، قد خرقت الشّهوات عقله، و أماتت الدّنيا قلبه، و ولهت عليها نفسه فهو عبد لها، و لمن فى يده شىء منها: حيثما زالت زال إليها، و حيثما أقبلت أقبل عليها، و لا يزدجر من اللّه بزاجر، و لا يتّعظ منه بواعظ، و هو يرى المأخوذين على الغرّة [٣] - حيث لا إقالة و لا رجعة - كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون، و جاءهم من فراق الدّنيا ما كانوا يأمنون، و قدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون، فغير موصوف ما نزل بهم، اجتمعت عليهم سكرة الموت و حسرة الفوت، ففترت لها أطرافهم، و تغيّرت لها ألوانهم، ثمّ ازداد الموت فيهم ولوجا [٤] فحيل بين أحدهم و بين منطقه، و إنّه لبين أهله ينظر ببصره، و يسمع بأذنه - على صحّة من عقله، و بقاء من لبّه - يفكّر فيم أفنى عمره،
[١] المادبة - بفتح الدال، و ضمها -: ما يصنع من الطعام للمدعوين فى عرس و نحوه، و المراد منها الجنة
[٢] أعشاه: أعماه
[٣] «على الغرة» - بالكسر - بغتة و على غفلة
[٤] ولوجا: دخولا، و فعله كوعد