نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢١٣ - ١٠٧ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
قربه، لا يسعد باكيا، و لا يجيب داعيا. ثمّ حملوه إلى محطّ فى الأرض، و أسلموه فيه إلى عمله، و انقطعوا عن زورته [١] حتّى إذا بلغ الكتاب أجله و الأمر مقاديره، و ألحق آخر الخلق بأوّله، و جاء من أمر اللّه ما يريده: من تجديد خلقه، أماد السّماء و فطرها [٢]، و أرجّ الأرض و أرجفها، و قلع جبالها و نسفها و دكّ بعضها بعضا من هيبة جلالته، و مخوف سطوته، و أخرج من فيها فجدّدهم على أخلاقهم [٣] و جمعهم بعد تفرّقهم، ثمّ ميّزهم لما يريد من مسألتهم عن خفايا الأعمال، و خبايا الأفعال، و جعلهم فريقين: أنعم على هؤلاء، و انتقم من هؤلاء: فأمّا أهل طاعته فأثابهم بجواره، و خلّدهم فى داره، حيث لا يظعن النّزّال، و لا يتغيّر لهم الحال، و لا تنوبهم الأفزاع [٤] و لا تنالهم الأسقام، و لا تعرض لهم الأخطار، و لا تشخصهم الأسفار [٥]، و أمّا أهل المعصية فأنزلهم شرّ دار، و غلّ الأيدى إلى الأعناق، و قرن النّواصى بالأقدام، و ألبسهم سرابيل القطران [٦] و مقطّعات النّيران [٧] فى عذاب قد اشتدّ حرّه
[١] زيارته
[٢] «أماد» جواب «إذا بلغ الكتاب - الخ» و أمادها: حركها على غير انتظام، و فطرها: صدعها
[٣] أخلاقهم - بالفتح -: من قولهم «توب أخلاق» إذا كانت الخلوقة شاملة له كله، و الخلوقة: البلى، و تقول: خلق الثوب - بالضم - فهو خلق - بوزان بطل و حسن - أى: بلى، و «أخلق الثوب» بالهمز لغة فيه، و تقول «أخلقه صاحبه» فذو الهمزة لازم و متعد
[٤] لا تنوبهم الأفزاع: جمع فزع - بفتحتين - بمعنى الخوف
[٥] أشخصه: أزعجه
[٦] السربال: القميص، و القطران: معروف
[٧] المقطعات: كل ثوب يقطع كالقميص و الجبة و نحوها، بخلاف ما لا يقطع كالازار و الرداء، و المقطعات أشمل للبدن، و أشد استحكاما فى احتوائه