نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢١٠ - ١٠٧ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
محيص عنك، و أنت الموعد لا منجى منك إلاّ إليك، بيدك ناصية كلّ دابّة، و إليك مصير كلّ نسمة، سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك، و ما أصغر عظمه فى جنب قدرتك، و ما أهول ما نرى من ملكوتك، و ما أحقر ذلك فيما غاب عنّا من سلطانك، و ما أسبغ نعمك فى الدّنيا، و ما أصغرها فى نعيم الآخرة.
منها: من ملائكة أسكنتهم سمواتك، و رفعتهم عن أرضك، هم أعلم خلقك بك، و أخوفهم لك، و أقربهم منك، لم يسكنوا الأصلاب، و لم يضمّنوا الأرحام، و لم يخلقوا من ماء مهين [١] و لم يشعبهم ريب المنون [٢] و إنّهم - على مكانهم منك، و منزلتهم عندك، و استجماع أهوائهم فيك، و كثرة طاعتهم لك، و قلّة غفلتهم عن أمرك - لو عاينوا كنه ما خفى عليهم منك لحقروا أعمالهم، و لزروا على أنفسهم [٣]، و لعرفوا أنّهم لم يعبدوك حقّ عبادتك، و لم يطيعوك حقّ طاعتك، سبحانك خالقا و معبودا: بحسن بلائك عند خلقك [٤] خلقت دارا،
[١] المهين: الحقير، يريد النطفة
[٢] المنون: الدهر، و الريب: صرفه، أى: لم تفرقهم صروف الزمان
[٣] زرى عليه - كرمى - عابه
[٤] البلاء: يكون نعمة و يكون نقمة و يتعين الأول باضافة الحسن إليه، أى: ما عبدوك إلا شكرا لنعمك عليهم