إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٠٦ - مستدرك الأئمة بعدي اثنا عشر أولهم علي و آخرهم المهدي
تكون مفارقته (أي مفارقة النبي) الدنيا على فراغ قلب من أمر الأمة فإنه (أي النبي) إنما بعث لرفع الخلاف و تقرير الوفاق فلا يجوز أن يفارق الأمة و يتركهم هملا يرى كل واحد منهم رأيا، و يسلك كل واحد منهم طريقا لا يوافقه في ذلك غيره، بل يجب أن يعين شخصا هو المرجوع إليه و ينص على واحد هو الموثوق به و المعول عليه، و قد عين عليا رضي اللّه عنه تعريضا و في مواضع تصريحا.
و لكن ما هي الشروط التي يجب توافرها فيمن يكون إماما عند الشيعة الإثني عشرية؟
نقول إجابة على هذا السؤال: إن الإثنا عشرية يعتقدون أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوما من جميع الرذائل و الفواحش، ما ظهر منها و ما بطن، من سن طفولته إلى موته، عمدا و سهوا، كما أنه يكون معصوما من السهو و الخطأ و النسيان. و ذلك لأن الأئمة هم حفظة الشرع و القوامون عليه، حالهم في ذلك حال النّبي، و الدليل الذي يقتضي عصمة النبي عندهم هو نفس الدليل الذي يقتضي عصمة الإمام.
و يعتقد الإثنا عشرية أن الإمام كالنبي يجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال الإنساني كالشجاعة و الكرم و العفة و الصدق و العدل و التدبير و العقل و الحكمة.
و يجب أن يكون الإمام مؤيدا من طريق الإلهام بالقوة القدسية. فالإمام يتلقى المعارف من طريق النبي أو الإمام الذي قبله، فإذا استجد شيء فلا بد أن يعلمه من طريق هذه القوة القدسية، فمعرفة الإمام عن هذا الطريق الأخير ليست من قبيل الاستدلال العقلي، و إنما تتجلى المعلومات في نفسه كما تتجلى المرئيات في المرآة الصافية، و هنا يتفق الإثنا عشرية مع بعض فلاسفة الإسلام و الصوفية الذين جعلوا وراء العقل و استدلالاته طريقا حدسيا أو كشفيا للمعرفة.
هذا، و تجب طاعة الأئمة مطلقا، فأمرهم أمر اللّه، و نهيهم نهيه، و طاعتهم طاعته، و معصيتهم معصيته، و وليهم وليه، و عدوهم عدوه، و لا يجوز لذلك الرد عليهم لأن الراد عليهم كالراد على الرسول، و الراد على الرسول كالراد على اللّه، فيجب التسليم لهم و الانقياد لأمرهم، و لا تستقى الأحكام الشرعية إلا منهم، فيجب الرجوع إليهم، و يستند الإثنا عشرية هنا إلى ما
يروى عن النّبي: إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: الثقلين،