إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٥ - كلماته عليه السلام و مواعظه
يشرب و في يده كأس.
فلما رآه أعظمه و أجلسه إلى جنبه، و قال من أتى به: يا أمير المؤمنين لم يكن في منزله شيء مما قيل فيه و لا حالة يتعلل عليه بها. فناوله المتوكل الكأس الذي في يده فقال: يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي و دمي قط فأعفني منه. فعافاه و قال: أنشدني شعرا أستحسنه. فقال: إني لقليل الرواية للأشعار. فقال: لا بد أن تنشدني. فأنشده:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجال فما أغنتهم القلل و استنزلوا بعد عزّ من معاقلهم و أودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا ناداهم صارخ من بعد دفنهم أين الأسرّة و التيجان و الحلل أين الوجوه التي كانت منعمة من دونها تضرب الأستار و الكلل فأصفح القبر عنهم حين ساء لهم تلك الوجوه عليها الدود ينتقل قد طال ما أكلوا قدما و ما شربوا و أصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا و أشفق من حضر على أبي الحسن الهادي، و بكى المتوكل بكاء شديدا حتى بلت دموعه لحيته، و بكى من حضر ثم أمر برفع الشراب. ثم قال: يا أبا الحسن أ عليك دين؟
قال: نعم أربعة آلاف دينار. فأمر بدفعها إليه و رده إلى منزله مكرما من ساعته.
و حدث يحيى بن هرثمة قال: وجهني المتوكل إلى المدينة لإشخاص علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر لشيء بلغه عنه، فلما صرت إليه ضج أهلها و عجوا ضجيجا و عجيجا ما سمعت مثله، فجعلت أسكتهم و أحلف لهم أني لم أومر فيه بمكروه، و فتشت بيته فلم أجد فيه إلا مصحفا و دعاء و ما أشبه ذلك، فأشخصته و توليت خدمته و أحسنت عشرته.
فبينا أنا نائم يوما من الأيام و السماء صاحية و الشمس طالعة إذ ركب و عليه ممطرة و قد عقب ذنب دابته. فعجبت من فعله. فلم يكن بعد ذلك إلا هنيهة حتى جاءت سحابة فأرخت عزاليها و نالنا من المطر أمر عظيم جدا، فالتفت إلي و قال: أنا أعلم أنك أنكرت ما رأيت و توهمت أني علمت من الأمر ما لا تعلمه. ليس ذلك كما ظننت