إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٨ - كلمات العلماء في شأنه عليه السلام
فأخذها المأمون في يده فسأل الغلام و هو لا يزال في مكانه: ما في يدي؟ قال:
يا أمير المؤمنين، اللّه تعالى خلق بمشيئته في بحر قدرته سمكا صغارا يصيدها بزاة الملوك و الخلفاء، و هم يأخذونها في أيديهم فيختبرون بها سلالة أهل بيت النبوة.
و جمع المأمون بعد ذلك بقليل مجلسا ليمتحن الإمام، و دام المجلس أياما عديدة، و قد أجاب الإمام على كل المسائل، فاندهش الناس من ذلك، فزوجه المأمون بابنته و أمر له بمال كثير. و يروى أن الإمام أطرق عند ذلك برأسه و مات بنو العباس غيظا و كمدا.
و بذلك أظهر المأمون اهتمامه المستمر و عطفه على الشيعة، و جعل ابن الإمام الرضا المتوفى تحت رعايته، و كان الإمام الفتى يأتي قصر المأمون بين آن و آخر للدرس و محادثة العلماء الذين يجتمعون هناك، غير أن من سوء الحظ أن الرواة قد أكدوا الإعجاز في ما قد بلغه من العلم، بصرف النظر عن الحوادث التي قد تظهر دراسته. فمما يخيب الأمل مثلا أن نقرأ شهادة يحيى بن أكثم، و هو من الناس الذين أرادوا امتحان الإمام، فسأله مسائل كثيرة قبل أن يعترف بإمامته، فنجد أن كل ما ذكره هو أنه سأله: من الإمام؟ قال: أنا. قال: و ما برهانك؟ فتكلمت عصى محمد التقي و قالت: إن صاحبي هذا هو إمام العصر و حجة اللّه.
و بعد سنة أو نحوها من زواج الإمام سمح له الخليفة أن يأخذ زوجته الصغيرة و يذهب إلى المدينة، و قد سر بنو العباس بذلك لكراهتهم أن يروا تفضيله عليهم في بغداد. فعاش في المدينة عيشة بسيطة كمن تقدمه من الأئمة مدة ثلاث سنوات، يقابل من يأتي لزيارته و يكرم الفقراء و يتحاشى التدخل في القضايا العامة. و قد صنع معجزات عدة تشبه تلك المعجزات التي صنعها باقي الأئمة كإخباره بأن جارية معينة ستحمل بغلام لرجل، و جعل شجرة تحمل فاكهة، بينما صلّى عدة ركعات عند قبر النبي، و أفرح عجوزا بإحيائه بقرة ميتة لها.
أما حياته مع زوجته زينب بنت الخليفة- و تعرف بأم الفضل- فيقال: إنها لم تكن