إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٧ - كلمات العلماء في شأنه عليه السلام
أبدل الخضرة بالسواد. و قد فعل ذلك لضرورة سياسية ضد رغبته الشخصية. فإنه لم يكتف بتعيين الشيعة البارزين من الفرس في الوظائف المهمة بل أظهر عطفا شديدا نحو بيت الإمام الرضا المتوفى. فاختار أحد أخوته ليحج بالناس. و لم تمض مدة طويلة حتى زوج ابنته أم الفضل إلى محمد التقي بن علي الرضا، و يقول اليعقوبي: إنه أمر له بألفي ألف درهم، و قال: إني أحببت أن أكون جدا لمرء ولده رسول اللّه و علي ابن أبي طالب.
و كان عمر محمد التقي- و يلقب حينا بالجواد- تسع سنين (أو سبعا على قول آخرين) عند وفاة أبيه، و كان بالمدينة آنئذ، و كان صغر سنه سببا في شك كثيرين من الشيعة بإمامته، فلما جاء موسم الحج ذهب عدد من رجالهم البارزين و علمائهم من مختلف البلاد إلى الحج، فلما رأوه زال الشك عن قلوبهم. و يروي الكليني أن المتولي سأله ثلاثين ألف مسألة يمتحنه بها فأجاب عنها جميعا و دام ذلك ثلاثة أيام.
و أمه ليست أم حبيب بنت المأمون بل أم ولد مشكوكا في أصلها، و يقول الكليني:
إنها نوبية و اسمها سبيكة. و قيل أيضا: إن اسمها كان خيزران و هي رومية.
و روي أنها كانت من أهل بيت مارية أم إبراهيم بن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.
و
يروى الشيعة قصة طريفة عن أول لقاء بين الخليفة المأمون و محمد التقي و هو صبي. فيظهر أنه جاء إلى بغداد بعد وفاة أبيه بمدة قصيرة.
و صادف أن خرج المأمون يوما إلى الصيد و معه بزاته، فاجتاز بطرف البلد في طريقه و الصبيان يلعبون و محمد التقي واقف معهم و عمره إذ ذاك نحو ١١ سنة. فلما أقبل الخليفة انصرف الصبيان هاربين و وقف محمد فلم يبرح مكانه، فنظر إليه المأمون ثم سأله: يا غلام ما منعك من الانصراف؟ فقال: يا أمير المؤمنين لم يكن الطريق ضيقة فأوسعه لك بذهابي و لم يكن لي جريمة فأخشاها، و ظني بك حسن أنك لا تضر من لا ذنب له فوقفت. فأعجب المأمون كلامه و ساق جواده إلى وجهته.
فلما بعد من العمارة أخذ بازيا فأرسله على دراجة فعاد و في منقاره سمكة صغيرة،