إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٥٥ - و منها قول الشيخ أحمد محيي الدين العجوز
البيت، فاصطنع الإمام محمد الباقر والد الإمام جعفر ذلك الفتى اليتيم، و فقهه في الدين حتى إذا ورث جعفر الأمانة بيد جابر بن حيان و تعهده و حثه على دراسة علوم الحياة و زوده بمعمل و أمره أن ييسر كتاباته لينتفع بها الناس .. و خصص له وقتا في كل يوم يتدارسان فيه علوم الطبيعة و الكيمياء و الطب، و كشف له من تبصره بالفقه كثيرا من المعارف العلمية و هداه بالمعارف العلمية إلى التمكن من الفقه.
و علم و هو في المدينة أن في العراق مذاهب تدعو إلى الإلحاد و الزندقة، فخرج يناقش زعماء هذا المذهب، لم يقعد مكتفيا بالحكم عليهم بالكفر، أو يصب اللعنات عليهم، بل ناقشهم بمنطقهم، ليثبت لهم وجود اللّه، و قادهم مما يعلمون إلى ما لا يعلمون.
و اشتهر في ذلك الزمان طبيب هندي برع في علوم الطب و الصيدلة، فحرص الإمام جعفر على أن يلتقي به و يتعرف إلى علمه، و تبادلا المعارف معا ثم أخذ يحاوره في الإسلام و في إثبات وجود اللّه.
بهذه الحكمة و الموعظة الحسنة عاش الإمام جعفر يدعو إلى سبيل ربه فأقنع كثيرا من الزنادقة و الملحدين و المنكرين و الوثنيين بالإسلام فأسلموا و حسن إسلامهم و أضافوا بفكرهم ثراء إلى الفقه و إلى العلوم في ذلك الزمان.
آمن بالتجربة و النظر العقلي و الجدل طريقا إلى الإيمان و سلحته معرفته الواسعة العميقة بالعلوم في الاستدلال و الإقناع، و جذب أصحاب العقول المبتكرة إلى الدين، و هو مع انشغاله بكل ذلك، كان يتحرى أحوال الناس، و يحمل على كتفه جرابا فيه طعام و مال فيوزع على أصحاب الحاجة، دون أن يدع أحدا يعرف على من يتصدق.
و لكم أساء إليه بعض صنائع الحكام الذين خشوا التفاف الناس حوله فما قابل الإساءة إلا بالإحسان، و هو يردد قول اللّه تعالىادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
و في الحق أنه استطاع أن يحول كل الذين دسوا عليه ليسيئوا إليه إلى أولياء