إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٥٣ - و منها قول الشيخ أحمد محيي الدين العجوز
و سمع جعفر هذه اللعنات طيلة صباه و جزء من صدر شبابه، حتى جاء الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز فتبرأ إلى اللّه من هذا العار، و كان يحمل للإمام علي ابن أبي طالب ما يحمل لغيره من الخلفاء الراشدين الثلاثة من إجلال و توقير. و أمر الخطباء أن يتلوا- بدلا من لعن علي في ختام خطبة الجمعة- الآية الكريمة التي ما زالت تتلى إلى الآن:إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
و طابت نفس جعفر كما طابت نفوس الصالحين و أهل التقوى و العلم بما صنعه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، و أعلن الإمام جعفر في مجلسه إعجابه بالخليفة عمر سبط عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.
و كان الإمام جعفر منذ رأى بطش الحكام بآل البيت و أنصارهم و بالباحثين عن الحقيقة و بمقاومي الاستبداد، كان قد أخذ بمبدإ التقية فلم يجهر بالعداء لبني أمية، اتقاء شرهم، و حذر للفتنة، و هم إذ ذاك غلاظ شداد على من لا يوالونهم.
فآثر أن يهب نفسه للعلم، و ألا يفكر في النهوض و الإقضاض على السلطان الجائر، حقنا لدماء المسلمين.
و رأى أن خير ما يقاوم به البغي هو الكلمة المضيئة تنير للناس طريق الهداية، و تزكيهم و تحركهم إلى الدفاع عن حقوق الإنسان التي شرعها الإسلام و إلى حماية مصالح الأمة التي هي هدف الشريعة.
و كان قد تعلم من جده الإمام علي زين العابدين بن الحسين عن جده الرسول (ص) أن طلب العلم و نشره جهاد في سبيل اللّه، و أن اللّه تعالى جعل للعلماء مكانة بين الأنبياء و الشهداء.
و
كان قد رأى جده الإمام زين العابدين رضي اللّه عنه يخطو في المسجد حتى يجلس في حلقة أحد الفقهاء من غير آل البيت، فيقول له أحد الحاضرين: غفر اللّه لك أنت سيد الناس. و تأتي تتخطى خلق اللّه و أهل العلم من قريش حتى تجلس مع هذا