إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٣٤ - استجابة دعائه عليه السلام و استخلاصه به عن شر المنصور العباسي
تلك هي محنة إمامنا الجليل جعفر الصادق رضي اللّه عنه مع أبي جعفر المنصور.
لقد حدّث الصادق آباءه الأئمة الطيبون، حدّثوه عن خذلان الناس لجده أبي عبد اللّه الحسين رضي اللّه عنه في ساعة العسرة، كما حدّثوه عن الخيانة التي كانت سببا بإنزال الفاجعة العظمى بأهل البيت، بيت النبوة و الرسالة، تلك التي سوّدت وجه تاريخ الأمة الإسلامية، حيث قتل ابن دعيها ابن نبيها ... و لا حول و لا قوة إلا باللّه.
كما رأى الصادق عمه الإمام زيدا، كيف كانت نهايته و نهاية أولاده، حين اعتمد على من اعتمد، فخانوا الإمام و نكثوا العهود، فحلت النكبة و كانت المصيبة، حيث قتل الإمام زيد قتلة آثمة، ثم نبش قبره من بعد ما وري عليه التراب، فصلب جثمانه الطاهر، و ذبح أبناؤه البررة.
و قد مرت تلك الفاجعة و لكنها تركت ندوبا في نفس الإمام الصادق صفي زيد و رفيق صباه، و زادته بحال الشيعة في عصره، الذين كانوا يغرون و لا ينصرون و يتكلمون و لا يفعلون و يحرضون و عند الشديدة يفرون، و أن المغرور من يخدع بهم كما قال إمام الهدى علي كرم اللّه وجهه في إخوان لهم قبل.
و كما قال الإمام السبط الحسين يوم فاجعته بالطف.
ثم رأى رضي اللّه عنه أخيرا فعل المنصور بأولاد عمومته الأخوين الكريمين محمد بن عبد اللّه بن الحسن و أخيه إبراهيم حين خرج الأول في المدينة و الثاني في العراق على حكم أبي جعفر المنصور.
و شاهد بأم عينيه حوادث المحن و وقائع المصائب، من مطاردة و ملاحقة و تشريد و سجون و مصادرة أموال أهل البيت النبوي الكريم حتى لم تنج من ذلك، تلك الشيبة الطاهرة عميد هذا البيت الرفيع العماد عبد اللّه بن الحسن المثنى بن الحسن السبط، فمات في السجن مكموما سنة ١٤٥ عقيب هذا الخروج.
في هذا الجو الإرهابي الفظيع، عاش الإمام الصادق، فكان لا بد أن يصيبه شيء من ذيول ذلك الإرهاب العنيف و لو أنه وقف بعيدا عن ذلك الخروج و لو أن المنصور كان يصانعه الود و الاحترام.
فالمنصور كان يتوجس خيفة من الإمام الجليل، و هذه الهواجس تدفعه إلى الشك أحيانا،