فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٩٩ - حكم من عمله السفر الشيخ عبد الهادي المسعودي
قال: «ومن كان سفره أكثر من حضره، وحدّه ألاّ يقيم في بلده عشرة أيام، كالمكاري والملاّح والراعي والبدوي...» .
وبالرغم من ترسّخ هذا الحكم باستخدام القاضي ابن البرّاج لهذا المصطلح(٧)، إلاّ أنّه ومع انفتاح باب المناقشة في فتاوى الشيخ الطوسي فقد ذهب ابن إدريس ـ بعد أن وافق الشيخ في رأيه أوّلاً ـ إلى عدم الاجتزاء بكون عنوان «كثير السفر» ملاكاً للاستثناء مدّعياً دخول بعض أفراد المسافر غير كثير السفر في هذا الحكم، وبعبارة اُخرى: لا يعتبر ابن إدريس عنوان «كثير السفر» عنواناً جامعاً، قال: «فأمّا صاحب الصنعة من المكارين والملاّحين ومن يدور في تجارته من سوق إلى سوق... والأصل في جميع هؤلاء أنّ سفرهم أكثر من حضرهم» . لكنّه قال بعد ذلك: «فأمّا صاحب الصنعة من المكارين والملاّحين ومن يدور في تجارته من سوق إلى سوق ومن يدور في أمارته فلا يجرون مجرى من لا صنعة له ممّن سفره أكثر من حضره، ولا يعتبر فيهم ما اعتبرناه فيه من الدفعات، بل يجب عليهم التمام بنفس خروجهم إلى السفر; لأنّ صنعتهم تقوم مقام تكرّر من لا صنعة له ممّن سفره أكثر من حضره; لأنّ الأخبار وأقوال أصحابنا وفتاويهم مطلقة في وجوب التمام على هؤلاء، فليلحظ ذلك، ففيه غموض يحتاج إلى تأمّل وفكر وفقه»(٨).
إلاّ أنّ تشكيك ابن إدريس لم يثنِ من جاء بعده في التبعيّة في استعمال مصطلح «سفره أكثر من حضره»(٩)إلى حدّ اعتبره الشهيد الثاني في الروض حقيقة شرعيّة(١٠)، بل حاول بعض الفقهاء ـ كالمحقّق السبزواري ـ أن يوفّق بين هذا الرأي وبين الرأي القائل باشتراط أن يكون السفر عملاً له(١١).
وممّن تبع ابن إدريس في تشكيكه ـ المحقّق الحلّي، حيث نقض شهرة الحكم المستمرة إلى القرن السادس، مستشكلاً على رأي المشهور، وانتهى إلى الإعراض عن استعمال هذا المصطلح الرائج بينهم في بعض كتبه(١٢)والذي كان
(٧) المهذب ١: ١٠٦.
(٨) السرائر ١: ٣٣٨ و ٣٤٠.
(٩) انظر: تبصرة المتعلمين: ٦٤ و ٨٢، نهاية الإحكام ٢: ٤٤، إيضاح العوائد ١: ١٦٤، الذكرى: ٢٥٧، المهذّب البارع ١: ٤٨٢، مسالك الأفهام ١: ٣٤٤، مدارك الأحكام ٤: ٤٤٩، رياض المسائل ٤: ٤٢٦، مستند الشيعة ٨: ٢٧٨.
(١٠) روض الجنان: ٣٨٩.
(١١) ذخيرة المعاد ٢: ٤٠٩.
(١٢) المعتبر ٢: ٤٧٣.