فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٥٨ - مشروعية استناد القاضي إلى علمه آية اللّه الشيخ محمّد المؤمن
في قوله تعالى : {فاحكم بينهم بما أنزل اللّه } (٥٤)ـ إنّما هو ما يحكم به الحاكم بعد طيّ جميع المقدّمات ؛ فقد أوجب اللّه تعالى على الحاكم بعد طي جميع المراحل والمقدمات التي يطويها لإثبات الموضوع المتخاصَم فيه مثلاً أن يحكم على هذا الموضوع بما جعله اللّه تعالى حكما له ، فإذا ثبت لديه وتوصّل إلى أنّ المدّعى عليه قتَل نفسا فيحكم عليه بأن يُقتل قصاصا ، أو قطَع أنف المجني عليه فيحكم عليه بأن يُقطع أنفه قصاصا ؛ عملاً بقوله تعالى : {النفس بالنفس . . . والأنف بالأنف } ؛ وإلاّ كان ممن لم يحكم بما أنزل اللّه ، ويكون فاسقا ظالما كافرا على ما في الآيات المباركة .
والموارد المذكورة في الآيات وإن كانت من قبيل حقوق الناس ، إلاّ أنّ الميزان هو الحكم بما أنزل اللّه بلا شاهد على التقييد .
بل إنّ التأمل في هذه الآيات الشريفة يبيّن بوضوح المراد من قوله تعالى : {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضرّوك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ اللّه يحبّ المقسطين } (٥٥)، حيث إنّ من الحكم بالقسط ـ بقرينة الآية السابقة الذكر التي تلي هذه الآية ـ أنّ الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا حكم بينهم فعليه أن يحكم بقصاص النفس بالنفس والعين بالعين يعني ؛ أن يحكم في كلّ واقعة بما حكم اللّه تعالى فيها ، فما جعله اللّه تعالى حكما لكلّ واقعة هو الذي يكون الحكم به حكما بالقسط .
فالحاصل : أنّ ملاحظة الآيات المباركات لا تبقي أيّة شبهة في أنّ الحكم بالقسط وبما أنزل اللّه هو الحكم بالحكم الذي جعله اللّه تعالى على الموضوعات والوقائع ، والذي اُشير إليه وذُكر منه نموذج في قوله تعالى : {النفس بالنفس والعين بالعين . . . } (٥٦).
وعليه ، فمدخول الباء في قوله تعالى : {فاحكم بينهم بما أنزل اللّه } (٥٧)أو
(٥٤) المائدة :٤٨.
(٥٥) المائدة :٤٢.
(٥٦) المائدة :٤٥.
(٥٧) المائدة :٤٨.