فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٥٣ - مشروعية استناد القاضي إلى علمه آية اللّه الشيخ محمّد المؤمن
يقتضيه مذهبنا ورواياتنا أنّ للإمام أن يحكم بعلمه ، وأمّا من عداه من الحكّام فالأظهر أنّ لهم أن يحكموا بعلمهم . وقد روي في بعضها أنّه ليس له أن يحكم بعلمه ؛ لما فيه من التهمة » (٣٧).
فهو وإن كان يتوهّم منه الإطلاق لحقوق الناس وحقوق اللّه تعالى ، إلاّ أنّ الظاهر عدم انعقاد الإطلاق له ، واختصاصه بخصوص الحكم في حقوق الناس ؛ وذلك أنّ العبارة المذكورة بيان لمختاره (قدس سره) في المسألة التي عنونها هكذا : « إذا ترافع إلى القاضي خصمان ، فادعى أحدهما على صاحبه حقّا فأنكر ، وعلم الحاكم صدق ما يدّعيه المدّعي ؛ مثل إن كان عليه دين يعلمه الحاكم أو قصاص ونحو ذلك ، فهل له أن يقضي بعلمه أم لا ؟ قال قوم : لا يقضي بعلمه ، وقال آخرون : له أن يحكم بعلمه . وفيه خلاف . ولا خلاف أنّه يقضي بعلمه في الجرح والتعديل ؛ بدليل أنّه لو علم الجرح وشهدوا عنده ، ترك الشهادة وعمل بعلمه ، ولأنّه لو لم يقضِ بعلمه أفضى إلى إيقاف الأحكام أو فسق الحكّام ـ ثمّ بعد أن بيّن المراد بهذا الدليل في ضمن أمثلة ثلاثة من حقوق الناس قال : ـ والذي يقتضيه مذهبنا . . . » (٣٨).
فسياق العبارة ـ كما ترى ـ متعرّض لبيان مختاره في مسألة ترافع خصمين إلى القاضي ؛ أحدهما يدعي على صاحبه حقّا ، والمدّعى عليه ينكره ، وهو من مصاديق حقوق الناس ، ولا إطلاق فيه يعم غيرها .
وهكذا الأمر ـ بل أظهر منه في الاختصاص بحقوق الناس ـ في قوله (قدس سره) في موضع آخر منه : « وإن لم يكن له بيّنة لكنّ الحاكم ذكر أنّه أقرّ له به ، فهل يقضي بعلمه ؟ قال قوم : يقضي بعلمه ، وقال آخرون : لا يقضي . وعندنا أنّ الحاكم إذا كان مأمونا قضى بعلمه ، وإن لم يكن كذلك لم يحكم به » (٣٩). فموضوع كلامه هو علم القاضي بإقرار المنكر قبلاً ، ولا إطلاق له لسائر موارد حقوق الناس فضلاً عن حقوق اللّه تعالى ، نعم لا يخلو من إشعار به .
(٣٧)المصدر السابق : ١٦٥.
(٣٨)المصدر السابق : ١٦٥ ـ ١٦٦.
(٣٩)المصدر السابق : ١٢٠ ـ ١٢١.