قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٤ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
أبسط من هذا: عالم باللّه لا بأمر الله و لا بأيام الله و هم المؤمنون، و عالم بأمر الله لا بأيام الله و هم المفتون في الحلال و الحرام، و عالم باللّه تعالى عالم بأيام الله و هم الصديقون، يعني قوله بأيام الله أي بنعمته الباطنة و بعقوباته الغامضة. ثم قال: الناس كلهم موتى إلا العلماء و العلماء نيام إلا الخائفين و الخائفون منقطعون إلا المحبين، و المحبون أحياء شهداء و هم المؤثرون للَّه تعالى على كل حال. و قد كان يقول: طلاب العلم ثلاثة، واحد يطلبه للعمل به، و آخر يطلبه ليعرف الاختلاف فيتورع و يأخذ بالاحتياط، و آخر يطلبه ليعرف التأويل فيتناول الحرام فيجعل حلالا فهذا يكون هلاك الحق على يديه. و قد حدثت عن أبي يوسف أنه كان إذا صار رأس الحول وهب ماله لامرأته و استوهبها مالها فتسقط عنهما الزكاة فذكر ذلك لأبي حنيفة فقال: ذلك من فقهه فإنما يطلب لعلم المعرفة الورع و الاحتياط للدين فهذا هو العلم النافع فإذا طلب لمثل هذا و لتأويل الهوى كان الجهل خيرا منه و صار هذا العلم هو الضار الذي استعاذ الرسول منه. و روينا عن عمر و غيره: كم من عالم فاجر و عابد و جاهل. فاتقوا الفاجر من العلماء و الجاهل من المتعبدين. و عن عمر أيضا: و قد رويناه مسندا: اتقوا كل منافق عليم اللسان يقول ما تعرفون و يعمل ما تنكرون. و روينا عنه أيضا تعلموا العلم و تعلموا للعلم السكينة و الحلم و تواضعوا لمن تعلمون و ليتواضع لكم من يتعلم منكم و لا تكونوا جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم. و روينا عن علي و ابن عباس رضي الله عنهما و عن كعب الأحبار: يكون في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا و لا يزهدون و يخوّفون و لا يخافون و ينهون عن غشيان الولاة و لا ينتهون و يؤثرون الدنيا على الآخرة و يأكلون الدنيا بألسنتهم أكلا يقربون الأغنياء و يباعدون الفقراء يتغايرون على العلم كما تتغاير النساء على الرجال يغضب أحدهم على جليسه إذا جالس غيره ذلك حظهم من العلم. و في حديث علي رضي الله عنه: علماؤهم شر الخليقة، منهم بدت الفتنة و فيهم تعود. و في حديث ابن عباس: أولئك الجبارون أعداء الرحمن. و روينا عن علي عليه السّلام: ما قطع ظهري في الإسلام إلا رجلان، عالم فاجر، و مبتدع ناسك. فالعالم الفاجر يزهد الناس في علمه لما يرون من فجوره و المبتدع الناسك يرغب الناس في بدعته لما يرون من نسكه. و قال صالح بن حسان البصري: أدركت المشيخة و هم يتعوذون بالله تعالى من الفاجر العالم بالسنة. و قال الفضيل بن عياض: إنما هما عالمان، عالم دنيا و عالم آخرة. فعالم الدنيا علمه منشور و عالم الآخرة علمه مستور. فاطلب عالم الآخرة و احذر عالم الدنيا لا يصدنك بشكره. ثم قرأ إن كثيرا من الأحبار و الرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل