قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٢١ - الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب و صفة القلب و تمثيله بالأنوار و الجواهر
المنافقين لا يفقهون و الفقه صفة القلب لا لسان العرب. تقول: فقهت بمعنى فهمت. و ابن عباس يفسر قول الله عزّ و جلّ: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها [الأعراف: ١٧٩] يقول لا يفهمون بها و يجعل الفقه الفهم فخاطر اليقين و الروح و الملك من خزائن الله و خاطر العقل و النفس و العدوّ من خزائن الأرض كما قيل النفس ترابية خلقت من الأرض فهي تميل إلى التراب و الروح روحاني خلق من الملكوت فهي ترتاح إلى العلوّ و القلب خزانة من خزائن الملكوت مثله كالمرآة تقدح هذه الخواطر عن أوساطها من خزائن الغيب فتوقد في القلب فيتلألأ فيه للتأثير، فمنها ما يقع في سمع القلب، فيكون فهما. و منها ما يقع في بصر القلب فيكون نظرا و هو المشاهدة، و منها ما يقع في لسان القلب فيكون كلاما و هو الذوق، و منها ما يقع في شم القلب فيكون علما و هو الفكر و هو العقل المكتسب بتلقيح العقل الغريزي و هذا أقلها لبثا و أيسرها عناء و ما وقع في ناظر القلب و حسه فخرق شفافه و وصل إلى سويدائه و هو المباشرة كان وجدا و هذا هو الحال عن مقام مشاهدة. و من هذا قوله صلّى الله عليه و سلم: أسألك إيمانا يباشر قلبي. و قال بعض العارفين: إذا كان الإيمان في ظاهر القلب كان العبد محبا للآخرة و للدنيا و كان مرة مع الله تعالى و مرة مع نفسه فإذا دخل الإيمان إلى باطن القلب أبغض العبد الدنيا و هجر هواه و قد قال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله: للقلب تجويفان، أحدهما باطن و فيه السمع و البصر و كان يسمى هذا قلب القلب، و التجويف الآخر ظاهر القلب و فيه العقل. و مثل العقل في القلب مثل النظر في العين هو صقال لموضع مخصوص فيه بمنزلة الصقال الذي في سواد العين فإذا كانت هذه الخواطر عن أواسط الهداة به و هي الملك و الروح كانت تقوى و هدى و رشدا و كانت من خزائن الخير و مفتاح الرحمة قدحت في قلب العبد نورا و طيبا أدركه الحفظة و هم أملاك اليمين فأثبتوها حسنات و إن كانت الخواطر عن أواسط الغواة و هم العدوّ و النفس كانت فجورا و ضلالا و هي من خزائن الشر و معالق الأعراض قدحت في القلوب ظلمة و نتنا أدرك ذلك الحفظة من أملاك الشمال فكتبوها سيئات و كل هذا إلهام و إلقاء من خالق النفس و مسويها و جبار القلوب و مقلبها حكمة منه و عدلا لمن شاء، و منة و فضلا لمن أحب. كما قال: وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا [الانعام: ١١٥] أي بالهداية صدقا لأوليائه ما وعدهم من ثوابه و بالاضلال عدلا على أعدائه ما أعد لهم من عقابه. ثم قال تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: ٢٣] فهذه جنود منقادة لأمره و هو ملك جبار عزيز قهار تعالى عن مباشرة الأشياء إذا كانت تنقاد لمشيئته