موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٨٣٢
إن كان لوادى العقيق اسم قديم إلا أن الملك تبّع قال حينما زار المدينة هذا عقيق الأرض و على ساحته سليلة و هذا عرضه الأرض. و على قول لما كان لون وادى العقيق فى غاية الاحمرار كان سببا فى إطلاق اسم العقيق عليه و انسى اسمه القديم.
و وادى العقيق من أعظم وديان الحجاز و يمتد من حدود الطائف و يمر بالمدينة إلى أن يتصل بالبحر الأحمر، لقد منح النبى (صلى اللّه عليه و سلم) هذا الوادى لبلال بن الحارث المزنى ليستغله بطريق المقاطعة. و لما ترك هذا الوادى إلى عهد عمر بن الخطاب دون إعمار قال عمر الفاروق لبلال «يا بلال! إذ عمرت الوادى الذى أخذته عن النبى بالمقاطعة أتركه لك؛ و إذا لا تريد إعماره أقطعته للآخرين» و لما أخذ منه جوابا بالنفى ترك جزءا من الوادى فى يد بلال و أقطع الباقى للذين يرغبون و أعطاهم.
و قد قدر فى أوائل الإسلام فضل وادى العقيق و مزيته و مناظره الجميلة التى تسحر النفوس فعمر و استصلح بكل عناية مما أثر فى قرائح الشعراء فأنشدوا قصائد مدح فى حسنه و جماله قصائد لا تعد و لا تحصى. و قد تعود عمر بن الخطاب كلما ظهرت السيول فى وادى العقيق أن يذهب مع أهل المدينة إلى مجراه و يشرب منه الماء. و قد أخبر النبى (صلى اللّه عليه و سلم) بقداسة وادى العقيق عندما قال:
«جاءنى أحد فى هذه الليلة و قال لى صلّ فى هذا الوادى» و فى يوم آخر قال بعد أن ذهب إلى وادى العقيق و رجع «يا عائشة! وادى العقيق ما أجمله من مكان، و ما أحلى ماءه و ما أطرى ترابه؟!!» فوصف وادى العقيق مادحا و عندما قالت له «إذا كان كذلك فلماذا لا نقيم فى وادى العقيق» فأجابها قائلا: «إن الناس قد استقروا هناك و أعدوا لهم منازل خاصة و من هنا فإن النقل و الهجرة إلى وادى العقيق غير ممكن». و بين بهذا أن انتقال أهل المدينة إلى وادى العقيق أمر شاق، و قال فى يوم آخر لأنس بن مالك، و كان النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قد زار وادى العقيق فى ذلك اليوم «ملأت هذه المطرة [١] من واد يحبنا و نحن نحبه» و هكذا أظهر حبه لوادى العقيق.
[١] المطرة: القربة.