موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٩٧٥
و لما كان النبى (صلى اللّه عليه و سلم) يحب العجوة حبا جمّا أمر و رغب أهالى مكة فى أكل هذا البلح، و لما كان الأصحاب الكرام يعملون بموجب الأمر النبوى أحبوا بلح العجوة و أقبلوا على أكله وفق تعليمات النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، و ما زال أهل المدينة يراعون هذه الأصول إذ يجمعون بلحهم فى موسم الجنى و يملئون به أزيار و يأكلونه فى أيام الشتاء و إنهم يحرصون على حفظ البلح أكثر من أى شئ آخر، و ليس هناك مدنى لم يحفظ فى أيام الصيف ما يكفيه من العجوة لأيام الشتاء.
و فى إستانبول يعد الناس الحطب و الفحم، و فى البلاد العثمانية الأخرى يعدو للشتاء جريش البر المسلوق «برغل، و ما يلزم لحساء «طارخنة» [١] و الذين لا يخزنون هذه الأشياء فى مواسمها يعانون كثيرا فى الشتاء و يتعبون، هكذا يعانى من لم يخزن بلح العجوة فى الشتاء من سكان دار السكينة و يتعبون كثيرا، و ما زالت هذه العادة قائمة إلى الآن بين أهالى المدينة، و لكن ما جمعوه و ادخروه من البلح على أنه عجوة ليست من العجوة المأثورة، و يطلع على ما يدخرونه من البلح «مجلات وحشية» و هو خليط و مزيج من هجين نوع من البلح، و لما كان هذ النوع من البلح أرخص ثمنا فعربان البوادى و الفقراء من الناس يرغبون فى تخزينه ظنا منهم أنهم يخزنون بلح العجوة، أما الأغنياء من الناس يخزنون للشتاء بلحا من جنس «حلية، شقرى، بيض، حلوة» و ثمن هذه الأنواع أغلى بالنسبة للبلح المخلوط.
و يبين مؤرخو المدينة الطيبة سبق تسمية بلحها بأسماء معينة و يقولون فى تعريف بلح الصيحانى: إن نخلة قد صاحت مصدقة للنبوة أو أن البلح نبت أولا فى حديقة يطلق عليها الصيحانى، و الذى نقل القول الأول هو جابر بن عبد اللّه الأنصارى، و لما كان هذا القول يروى مستندا إلى أسانيد جيدة يرجح على القول الثانى و تؤتى هذه الرواية بكرامة أهل البيت و قربتهم و شرفهم.
و قال حضرة جابر و هو يبين سبب تسميته بلح الصيحانى، كنت قد ذهبت يوما
[١] نوع من الحساء يصنع من الزبادى أو الحليب المتخمر و يخلط بالدقيق أو بماء اللحم ثم ينشف فيطحن.