موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٨٥٩
الفرزدق فسأله قائلا: «أنت من ياترى؟» فأجابه «أنا كثير» فقال له «إذا فأنت الذى يطلقون عليه كثير عزة؟» فقال له «نعم هكذا يسمينى الناس»، و لكن من تكون أنت؟ فعرف أنه الفرزدق بن غالب التميمى فقال له: هل أنت القائل لهذه الأبيات:
وجدت جمالهم بكل أسيلة* * * تركت فؤادى هائما مخمولا
لو كنت أملكهم إذا لم يرحلوا* * * حتى أودع قلبى المتبولا
ساروا بقلبى فى الخدود و غادروا* * * جسمى يعالج زفرة و عويلا
فلما أخذ الرد بالإيجاب و قد رأى تلك الأبيات تنطبق على حاله فتأثر منها أشد التأثر فقال «يا فرزدق! لو لم أكن أمام البيت المعظم لصحت صيحة عظيمة انزعج منها هشام الذى يجلس على العرش فى سواد الشام و يظن أن القيامة قامت و استولى عليه الفزع، و لكن ما الفائدة فحرمة بيت اللّه الجليل تقف دونها!!» و لما تأثر الفرزدق من هذه الكلمات أشد التأثر فقال له «يا كثير، سأعرض ما قلته على هشام عندما أصل إلى الشام». و فعلا عرض الأمر عليه عندما وصل إلى الشام و بين له شدة حب كثير لعزة، و لما كان تطليق عزة من زوجها و تزويجها من كثير ممكنا فأمر بأن يدعى كثير إلى الشام، فبلغ الفرزدق الأمر لكثير كتابة و طلب منه أن يحضر إلى الشام دون تأخر. و لما أخذ كثير الرسالة المبشرة من الفرزدق تحرك من مقر مقره سعيدا و توجه إلى الشام قاطعا المراحل و طاويا البوادى و المنازل، و لكنه تصادف أن غرض لناظريه غراب قبل أن يصل إلى الشام بعدة مراحل فتطير، و كان الغراب الذى أفزعه فوق شجرة بان يفلى ريشه و يسقط شعره. و لما رأى الغراب فى هذه الحالة استولى على قلبه خوف و اصفر وجهه. و ذهب إلى قبيلة بنى نهد ليسقى دابته و هو فى شدة الحرص على سلامته.