موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٧٤٣
و كان محمد بن عبد اللّه بعد ما أدخل أهالى المدينة فى دائرة بيعته ساق مقدارا كافيا من الجنود للاستيلاء على مكة المعظمة و بلاد اليمن و سواد الشام و لم يلق سمعا لما بعثه أبو جعفر من رسائل مهددة، و إن كان محمد بن عبد اللّه لم يستطع أن يستولى على بلاد الشام إلا أنه أقلق بخروجه أبا جعفر المنصور و بحث عن حل سريع لحل هذه المشكلة فأمد والى الكوفة عيسى [١] بن موسى المعروف بقسوة القلب بأربعة آلاف من الجنود إلى المدينة المنورة و أمره بأن يقتل محمدا بن عبد اللّه و كل من تبعه واحدا تلو آخر.
و كان من الممكن أن يقاوم محمد بن عبد اللّه مع أهالى دار العزة المدينة المنورة عيسى بن موسى. و لكن كان عيسى بن موسى قد هدد أهالى المدينة بإرسال رسائل مزورة لهم، و بما أن وقعة حرة واقم لم تزل فى ذاكرتهم أخذوا ينسحبون من جانب محمد بن عبد اللّه واحدا إثر الآخر. و دفعوا ذلك الشخص العالى القدر بثلاثمائة من المغاوير الأبطال أمام أربعة آلاف من سفاحى بغداد.
و لما رأى محمد بن عبد اللّه أن الذين تحت تبعيته أخذوا يهربون إلى جهة ما و أخذت قوته تنقص شيئا أخذ يحفر فى أطراف المدينة خنادق عميقة من شدة و لهه و حيرته و يقول من شدة يأسه «كل من لا يرد أن يحارب المنصور فليغادرنى» و مع مرور الزمن من تناقض عدد جنوده حتى لم يبق بجانبه إلا ثلاثمائة من الفدائيين، و كان والى الكوفة ظالما غشوما و مشهورا بعداوته لآل النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فأقام معسكره خارج المدينة المنورة و بعث يقول: يجب أن يتخلى محمد بن عبد اللّه عن فكرة الخلافة و أن يطيع و ينقاد لأبى جعفر المنصور و أن ينسحب من حوله تاركين محمدا بمفرده و أن الذين لا ينسحبون من حوله سيندمون فى نهاية الأمر. و لما رأى أن محمد بن عبد اللّه مازال متمسكا بفكرته كما أن الفدائيين الذين حوله ما زالوا ثابتين بجانبه اغتاظ غيظا شديدا و تجرأ على أن يسوق من تحت إمرته من السفاحين إلى داخل المدينة المنورة و أخذ يحارب و هو يسب محمدا بن عبد اللّه بن حسن بن حسين بن على بن أبى طالب علنا بصوت عال.
[١] و كان عيسى بن موسى ولى عهد المنصور و عمه كذلك.