موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٤٧٢
مركزا تجاريا، و قام الصليبيون ببناء بعض الحصون فيها كما أن الأيوبيين قاموا بتعميرها و إصلاحها بصورة رصينة متينة حتى أصبحت فى حالة فوق العادة من العمارة و مازالت بعض قلاعها قائمة إلى الآن آثار ملك الفترة المزدهرة.
وقع أرناط فى سنة ٥٧٨ ه فريسة لفكرة نبش مرقد النبى المنير و نقل جسده الشريف تلك الفكرة الخائبة، و من هنا أمر بصنع بعض المراكب الصغيرة فى قلعة (كرك) و أوصلها إلى البحر الأحمر جرّا على اليابسة، كما أرسل ثلاثمائة و خمسين نفرا من الأشقياء السفلة لاستخدامهم فى تسيير المراكب و لإرسالهم إلى المدينة المنورة إذا اقتضت الأحوال.
و كان غرضه أن يؤخذ الجسد النبوى الطاهر إلى ميناء ينبع و من هناك إلى بلاده، و لما وصلت تلك المراكب إلى ميناء ينبع تكونت جماعة كبيرة مع العربان الذين وافقوا على الفكرة و ترك فى الميناء قدر كاف من الحراس لحراسة السفن و أخذ الباقى يتسرب إلى ناحية المدينة المنورة منفردين، ثم اجتمعوا فى مكان معين و أخذوا يتقدمون، و لما وصل هذا الخبر الذى أثار الدهشة إلى مسامع من يعرف بين المشايخ باسم الشيخ محيى الدين النووى فى الشام ظنّ أنّ والى الشام يريد إرسال الكتب النفيسة التى فى مكتبة الجامع الأنورى الشريف إلى ديار أخرى.
و عندما اطلع الإمام على حقيقة الأمر ذهب إليه و أراد أن يثنيه عن قراره بكلام لين و نصيحة خالصة، و لما رأى أن كلامه لا يؤثر فيه غير كلامه و أخذ يهدده بفقرات باردة، و ظن الوالى أن الإمام شخص عادى كآحاد الناس فأمر بحبسه و توقيفه فابتدر من بجانبه الشّيخ ليحملوه معهم، لكن فراء الأسود و النمور التى كانت مفروشة فى الحجرة تراءت لهم كالحيوانات المفترسة الحية فامتلأ قلب الوالى بالخوف و الفزع و لا سيما قلوب الذين كانوا أمسكوا بالإمام و هكذا جعلتهم يفرون جميعا، و بناء على ذلك ثاب الوالى إلى رشده و ندم على ما فعل و طيب خاطره و قبل يده و قدمه إنقاذا من هذه الورطة المخيفة المفزعة.