موسوعة الإمام الهادي(ع) - اللجنة العلمیة فی موسسة ولیعصر - الصفحة ٣٩ - «تفسير صحّة الخلقة»
قائم بنفسه بحواسّه، مستكمل في ذاته، ففضل بني آدم بالنطق الذي ليس في غيره من الخلق المدرك بالحواسّ، فمن أجل النطق ملّك اللّه ابن آدم غيره من الخلق حتّى صار آمرا ناهيا، و غيره مسخّر له كما قال اللّه: كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ.
و قال: وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها.
و قال: وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَ مَنافِعُ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ. وَ لَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ. وَ تَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ.
فمن أجل ذلك دعا اللّه الإنسان إلى اتّباع أمره و إلى طاعته بتفضيله إيّاه باستواء الخلق، و كمال النطق و المعرفة، بعد أن ملّكهم استطاعة ما كان تعبّدهم به بقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَ اسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا.
و قوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها.
و قوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها و في آيات كثيرة.
فإذا سلب من العبد حاسّة من حواسّه رفع العمل عنه بحاسّته كقوله:
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ الآية.
فقد رفع عن كلّ من كان بهذه الصفة الجهاد، و جميع الأعمال التي لا يقوم بها، و كذلك أوجب على ذي اليسار الحجّ، و الزكاة لما ملّكه من استطاعة ذلك، و لم يوجب على الفقير الزكاة و الحجّ.
قوله: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
و قوله في الظهار: وَ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ- إلى قوله-: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً.